إيما بونينو… امرأة إيطالية عاشت السياسة بصوت الإنسان
كتب عصام الحلبي
رحلت اليوم إيما بونينو، السياسية الإيطالية التي عاشت أكثر من نصف قرن في قلب الحياة العامة، وظلت حتى سنواتها الأخيرة حاضرة في النقاش السياسي والإنساني في إيطاليا وأوروبا. رحلت عن 78 عامًا، تاركة وراءها مسيرة طويلة مليئة بالمواقف والمعارك التي آمنت بها ودافعت عنها بشجاعة.
لم تكن بونينو مجرد صاحبة مناصب سياسية، فقد كانت عضوة في البرلمان الإيطالي والأوروبي، والمفوضة الأوروبية للمساعدات الإنسانية، ووزيرة للتجارة الدولية والسياسات الأوروبية، ثم وزيرة للخارجية بين عامي 2013 و2014. لكن المناصب لم تكن بالنسبة إليها غاية، بل مساحة للعمل على القضايا التي آمنت بها، وفي مقدمتها حقوق الإنسان والحريات الفردية وحقوق المرأة والسلام والتعاون بين الشعوب.
ومن هنا يمكن فهم علاقتها بالعالم العربي. ففي عام 2001 ذهبت إلى القاهرة، وأقامت فيها وتعلمت اللغة العربية، واقتربت من المجتمع والثقافة العربية، واهتمت بصورة خاصة بقضايا المرأة والحريات وحقوق الإنسان. لم تكن تنظر إلى العالم العربي من خلف أبواب المؤسسات الرسمية فقط، بل حاولت الاقتراب من قضاياه وفهم مجتمعاته والاستماع إلى أصواته.
وكان لبنان حاضرًا في تجربتها السياسية والدبلوماسية. ففي شباط 2014 زارت بيروت بصفتها وزيرة للخارجية الإيطالية، والتقت كبار المسؤولين اللبنانيين، كما زارت القوات الإيطالية العاملة ضمن اليونيفيل في جنوب لبنان. وفي مرحلة كانت المنطقة تعيش فيها على وقع الحرب السورية وتداعياتها، أكدت أهمية دعم استقرار لبنان ووحدته ومؤسساته.

كما كانت حاضرة في مواقفها تجاه التفجيرات التي ضربت لبنان، وأكدت تضامنها مع اللبنانيين ورفضها للعنف والعدوان الاسرائيلي الذي يطال المدنيين. ولم يكن اهتمامها بلبنان منفصلًا عن رؤيتها الأوسع للمنطقة، حيث كانت ترى أن حماية الإنسان ودعم الاستقرار والحوار يجب أن تكون جزءًا من أي سياسة تجاه الشرق الأوسط.
وفلسطين أيضًا كانت حاضرة في مسيرتها الدولية من خلال مواقفها الداعية إلى السلام والحل السياسي، واهتمامها بالجانب الإنساني في الصراع، ورفض استهداف المدنيين. وربما لم تكن بونينو تنتمي إلى خطاب سياسي واحد في المنطقة، لكنها كانت تضع الإنسان وحقوقه في مقدمة القضايا التي تتحدث عنها.
ولم تتوقف تجربتها عند أوروبا والشرق الأوسط. فقد حملتها قضايا حقوق الإنسان إلى أماكن مختلفة من العالم، وبرز اهتمامها بحقوق النساء، ومكافحة تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، ومناهضة عقوبة الإعدام، والدفاع عن الفئات التي تعيش الحروب والقمع. وفي أفغانستان دفعت ثمن مواقفها عندما اعتقلتها حركة طالبان خلال زيارة لها عام 1997.
هذه المسيرة جعلت من إيما بونينو شخصية يصعب اختصارها في منصب أو مرحلة سياسية. اختلف معها كثيرون، وربما عارضها آخرون، لكنها بقيت واضحة في خياراتها، ولم تتخل عن القضايا التي حملتها طوال حياتها.
اليوم تغيب إيما بونينو عن المشهد الإيطالي والأوروبي، بعد سنوات طويلة من العمل السياسي والإنساني، تاركة خلفها تجربة غنية ستبقى موضع قراءة ونقاش، ليس في إيطاليا وحدها، بل في أوروبا والعالم العربي أيضًا.
