إيران وحرب أميركا التي تحولت من نصر سريع إلى مأزق استراتيجي
كتب باسم الموسوي
في المقابلة المطوّلة التي أجراها تاكر كارلسون مع أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفرد ستيفن م. والت، لا تظهر الحرب على إيران كحادثة منفصلة أو كجولة عسكرية أخرى في تاريخ الصراع الأميركي في الشرق الأوسط. إنها، في قراءة والت، تكثيف لأزمة أعمق في السياسة الخارجية الأميركية: دولة تملك فائضاً هائلاً من القوة، لكنها تكرر استخدامه في حروب اختيارية، وتنطلق من افتراض أن التفوق العسكري يكفي لإنتاج النتائج السياسية التي تريدها.
والت، وهو أحد أبرز وجوه المدرسة الواقعية الأميركية، يذهب مباشرة إلى أصل المسألة. الولايات المتحدة لم تدخل الحرب لأن إيران كانت على وشك مهاجمتها، ولا لأن طهران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي يفرض تحركاً عسكرياً فورياً. بحسب تقديره، لم تكن هناك ضرورة استراتيجية عاجلة للحرب أصلاً. ولهذا يصفها بوضوح بأنها «حرب اختيار» بالنسبة إلى واشنطن، في مقابل كونها حرب بقاء بالنسبة إلى إيران بعد أن أصبح إسقاط النظام هدفاً معلناً للجانب الأميركي. هنا، في هذا الاختلاف بين طبيعة الحرب بالنسبة إلى الطرفين، يضع والت مفتاح فهم ما جرى بعد ذلك.
المشكلة، وفق هذه القراءة، أن المخطط الأميركي افترض منذ البداية عدم التناسب في القوة، لكنه لم يحسب عدم التناسب في الإرادة. فالولايات المتحدة أقوى عسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً بلا قياس، إلا أن إيران تنظر إلى الحرب بوصفها تهديداً مباشراً لوجود نظامها ولدولتها، ولذلك تصبح مستعدة لتحمل كلفة لا ترغب واشنطن في تحملها. وفي الاستراتيجية، لا يحسم ميزان القوة المادي وحده النتيجة؛ فالسؤال هو أيضاً: أي الطرفين يحتاج إلى الانتصار أكثر؟ وأيهما يستطيع تحمل الخسائر وقتاً أطول؟
من هنا يفسر والت لماذا لم تتحول الضربات الأميركية الهائلة إلى استسلام إيراني. الأميركي يستطيع أن يلحق ضرراً بالغاً بإيران، لكنه لا يستطيع بسهولة أن ينتزع منها قراراً سياسياً يساوي حجم تفوقه العسكري. الإيراني، في المقابل، لا يحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً؛ يكفيه أن يمنعها من تحقيق الأهداف التي دخلت الحرب من أجلها، وأن يجعل استمرار الحرب أكثر كلفة مما تحتمله واشنطن سياسياً واقتصادياً.
ولا يعزل والت قرار الحرب عن العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية. فالعلاقة المتوترة بين واشنطن وطهران، في رأيه، تمتد لأكثر من أربعة عقود، لكنه يشير إلى أن إيران حاولت في أكثر من محطة تحسين العلاقات، من التسعينيات إلى مرحلة ما بعد 11 أيلول، من دون أن يتحول ذلك إلى انفراج مستدام. ويضع الالتزام الأميركي الخاص بإسرائيل في قلب تفسيره لاستمرار العداء، مشيراً إلى أن قطاعات من اللوبي المؤيد لإسرائيل دفعت طويلاً في اتجاه عمل عسكري ضد إيران، مع تأكيده أن هذا الموقف لا يشمل جميع المنظمات المؤيدة لإسرائيل.
أما القرار المباشر بالحرب، فيربطه والت بصورة أكثر تحديداً بزيارة بنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض، حيث قدم، بحسب الرواية التي يعرضها، تقديراً يفيد بأن النظام الإيراني أصبح هشاً إلى درجة أن ضربة قوية قد تكون كافية لإسقاطه. الفكرة لم تكن جديدة؛ فقد عرض نتنياهو تصورات مشابهة على إدارات أميركية سابقة، لكن رؤساء سابقين رفضوا المغامرة. الجديد هذه المرة أن دونالد ترامب اقتنع بها.
هذا التقدير أنتج ما يمكن تسميته «وهم الحرب القصيرة»: بضعة أيام من القصف، انهيار في القيادة الإيرانية، سقوط النظام أو تفككه، ثم إعادة ترتيب المشهد السياسي وفق الشروط الأميركية. ويعتقد والت أن نجاح عمليات أميركية سابقة، ولا سيما ما يصفه بعملية فنزويلا، عزز لدى ترامب الاعتقاد بأن القوة العسكرية الأميركية قادرة على إنتاج نتائج سياسية سريعة. أضيف إلى ذلك غياب اعتراض داخلي قوي داخل الإدارة، ورغبة الرئيس في تسجيل إنجاز كبير في نهاية مسيرته السياسية. هكذا نشأت الفرضية التي قامت عليها الحرب: ستكون قصيرة، محدودة، رخيصة، وسريعة النتائج. والنتيجة، بحسب والت، أن هذا الافتراض كان خاطئاً جذرياً.
لكن إيران لم تتصرف كما افترض السيناريو الأميركي. صحيح أنها أضعف كثيراً من الولايات المتحدة، وأن الحرب ألحقت بها أضراراً عسكرية كبيرة، لكن الضعف لم يعن انعدام القدرة على الرد. وهنا تبرز أهمية الجغرافيا، ولا سيما مضيق هرمز. فإيران تملك القدرة على تعطيل حركة الملاحة في المضيق أو جعلها شديدة الخطورة والكلفة، كما تستطيع استهداف قواعد ومنشآت أميركية في المنطقة وإلحاق أضرار بحلفاء واشنطن في الخليج، فضلاً عن قدرتها على تهديد إسرائيل نفسها.
هذه النقطة أساسية لأن إيران نجحت، وفق قراءة والت، في تحويل الحرب من مواجهة بين قوتين غير متكافئتين إلى معادلة كلفة متبادلة. لم تعد المسألة: كم تستطيع الولايات المتحدة أن تدمر في إيران؟ بل أصبحت أيضاً: ماذا تستطيع إيران أن تفعل بالاقتصاد العالمي، بالطاقة، بالقواعد الأميركية، وبالدول المتحالفة مع واشنطن؟
وهذا بالضبط ما يجعل هرمز أداة استراتيجية، لا مجرد ممر بحري. الولايات المتحدة استخدمت لعقود موقع الدولار في النظام المالي العالمي والعقوبات الاقتصادية أداة ضغط على خصومها؛ إيران، وفق تعبير والت، استطاعت أن تستخدم اعتماد العالم على مضيق هرمز بالطريقة نفسها تقريباً، أي تحويل الاعتماد المتبادل إلى سلاح سياسي.
مع ذلك لا يقع والت في خطاب الانتصارات السهلة من الجهة المقابلة. فهو يحذر إيران أيضاً من المبالغة في استخدام ورقة هرمز. فالعالم يتعلم ويتكيف. استمرار اضطراب الطاقة سيقود الدول إلى بناء خطوط أنابيب بديلة، وتنويع مصادر الإمداد، وتسريع الانتقال بعيداً عن الاعتماد على المضيق. ولذلك يعتقد أن ورقة إيران قد تكون قوية جداً الآن، لكنها ستكون أضعف بعد خمس أو ست سنوات. القوة التي تُستخدم بإفراط تولد، في النهاية، حوافز لدى الآخرين للتخلص من الاعتماد عليها.
غير أن المعضلة الأميركية تبقى أكثر عمقاً. فواشنطن لا تواجه فقط مقاومة إيرانية أو معضلة عسكرية، بل تواجه انهياراً في الثقة يجعل أي تسوية أصعب. والت يعيد بناء السؤال الإيراني بهذه الصيغة: لماذا تثق طهران في اتفاق سلام مع دولة كانت تتفاوض معها حول ملفها النووي ثم بدأت الحرب في أثناء العملية الدبلوماسية؟ وما الذي يضمن ألا توقع واشنطن اتفاقاً اليوم، ثم تعيد سفنها إلى قواعدها، وتصلحها وتعيد تسليحها، وتعود بعد سنة أو سنتين لبدء حرب جديدة؟
من هذا المنظور، لم يعد المطلوب إيرانياً مجرد وقف النار، بل إنشاء ردع يمنع تكرار الحرب. ولذلك يرى والت أن التفكير الإيراني قد يقود إلى السعي لفرض كلفة محسوسة على الولايات المتحدة تجعل صناع القرار الأميركيين في المستقبل يتذكرون أن مهاجمة إيران ليست عملية بلا ثمن. المسألة هنا ليست فقط انتقاماً، بل بناء ذاكرة ردعية داخل النظام السياسي الأميركي نفسه.
وهذا يقود والت إلى واحدة من أكثر خلاصاته صراحة: لا يرى نهاية حقيقية للحرب من دون اعتراف أميركي، ولو ضمنياً، بأن قرار الحرب كان خطأً كبيراً. يمكن للإدارة أن تقدم أي تسوية للجمهور باعتبارها انتصاراً، ويمكنها أن تغير اللغة وتعيد تعريف الأهداف، لكنها لن تحصل، في تقديره، على الإنجاز الإيراني الضخم الذي يسمح لها بالقول إن الحرب حققت ما بدأت من أجله.
حتى مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها في حزيران يقرأها والت من هذه الزاوية. يصفها بأنها سيئة البناء والتفاوض، لكنه يرى أن جوهرها كان قبولاً أميركياً عملياً بتسوية تحمل شروطاً مريحة نسبياً لإيران. ثم بدأت الخلافات حول التنفيذ، ولا سيما في ما يتعلق بمضيق هرمز، وشعرت طهران بأن واشنطن تحاول الالتفاف على ما تم الاتفاق عليه، فعادت المواجهة.
وتظهر إسرائيل هنا مرة أخرى، ليس باعتبارها خلفية للحرب فحسب، بل باعتبارها عاملاً يصعب معه إنهاؤها. في المقابلة يلفت كارلسون إلى أن تفاهم وقف الأعمال العدائية شمل لبنان، لكن إسرائيل واصلت عملياتها، فيوافق والت على أن الولايات المتحدة ليست الطرف الوحيد الذي يحدد مصير التسوية. ويعتقد أن ترامب لا بد أن يمر بلحظات يشعر فيها بالغضب من نتنياهو بسبب إدخاله في هذه الحرب، لكنه يشير إلى قوة المستشارين والمانحين والتيارات الأميركية التي تواصل الضغط في اتجاه دعم إسرائيل مهما كانت الكلفة.
وهنا تصبح حرب إيران جزءاً من أزمة أوسع في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. والت يعيد النظر في تاريخ الوجود الأميركي في المنطقة ليخلص إلى أن واشنطن لم تكن دائماً بحاجة إلى الانتشار العسكري الكثيف الذي أصبح مألوفاً اليوم. خلال جزء كبير من الحرب الباردة كانت الولايات المتحدة تلعب لعبة توازن القوى: تمنع الاتحاد السوفياتي أو قوة إقليمية واحدة من السيطرة على المنطقة، من دون محاولة السيطرة عليها بنفسها.
التحول جاء بصورة حاسمة بعد حرب الخليج عام 1991، ثم مع سياسة «الاحتواء المزدوج» للعراق وإيران في عهد بيل كلينتون، فازدادت القوات الأميركية في الخليج والسعودية. وبعد 11 أيلول وحرب العراق أصبحت الولايات المتحدة غارقة في محاولة إعادة تشكيل المنطقة وإسقاط الأنظمة وإدارة توازناتها الداخلية. النتيجة، وفق تعبير والت اللافت، أن واشنطن انتهت من محاولة إنتاج النظام إلى إنتاج قدر كبير من الفوضى.
ولهذا يرى أن إحدى النتائج الإيجابية المحتملة للحرب الراهنة قد تكون تقليص الوجود العسكري الأميركي المباشر في الشرق الأوسط. لكنه لا يدعو إلى انسحاب كامل أو إلى التخلي عن المصالح الأميركية، بل إلى العودة إلى سياسة أكثر واقعية: التدخل لمنع ظهور قوة مهيمنة واحدة في المنطقة، لا التدخل لإدارة حكوماتها، وتغيير أنظمتها، وتحديد سياساتها الداخلية.
في خلفية كل ذلك توجد أيضاً المسألة النووية. والمفارقة التي يلفت إليها والت أن التدخل الأميركي، الذي يُبرَّر غالباً بمنع الانتشار النووي، قد يكون في ذاته سبباً يدفع الدول إلى التفكير في امتلاك الردع النووي. يسأل: لماذا أرادت إيران الاقتراب من العتبة النووية؟ ويجيب بأن أحد الأسباب هو الخوف من الولايات المتحدة ومن احتمال تعرضها لما تعرضت له فعلاً الآن. أي أن محاولة منع دولة بالقوة من امتلاك قدرة ردعية قد تزيد دوافعها إلى البحث عن تلك القدرة.
حرب إيران، بهذا المعنى، ليست فقط اختباراً لإيران أو لترامب. إنها اختبار للنموذج الأميركي في استخدام القوة. هل تستطيع القوة العسكرية أن تعوض غياب الهدف السياسي الواقعي؟ هل يستطيع القصف أن ينتج استسلاماً عندما يعتبر الطرف الآخر المسألة قضية وجود؟ وهل يؤدي استهداف القيادات وتغيير الأنظمة إلى جعل الولايات المتحدة أكثر أمناً، أم يدفع خصومها إلى التشدد والبحث عن وسائل ردع أقسى؟

والت لا يشكك في قدرة الولايات المتحدة على إلحاق الدمار بخصومها. ما يشكك فيه هو قدرتها على تحويل الدمار إلى نظام سياسي يخدم مصالحها. وهذه، في نهاية المطاف، هي المشكلة التي ظهرت في العراق وأفغانستان وتظهر اليوم بصورة أكثر حدة في إيران: أميركا تستطيع بدء الحروب بسهولة أكبر بكثير مما تستطيع إنهاءها بالشروط التي أعلنتها في البداية.
وربما تكون الخلاصة الأهم في المقابلة أن الاعتراف بالخطأ لا يعني بالضرورة انهيار الهيبة. والت يستعيد انسحاب ريغان من لبنان ونهاية حرب فيتنام ليقول إن الولايات المتحدة كثيراً ما تبالغ في تقدير كلفة التراجع عن سياسة فاشلة. أحياناً يكون قطع الخسائر واستعادة القدرة على ترتيب الأولويات دليلاً على قوة الحكم، لا على ضعفه.
المأزق، إذن، ليس كيف تنتصر أميركا في حرب إيران بالمعنى العسكري. السؤال أصبح أكثر صعوبة: كيف تخرج من حرب بدأت على أساس أن الخصم سينهار سريعاً، بعدما أثبت الخصم أنه يستطيع البقاء ورفع الكلفة وحرمان القوة الأكبر من النتيجة السياسية التي أرادتها؟
في هذا الفارق بين القدرة على التدمير والقدرة على تحقيق الهدف تكمن قصة الحرب كلها. إيران لا تحتاج إلى أن تصبح أقوى من أميركا؛ تحتاج فقط إلى أن تجعل أميركا عاجزة عن فرض النهاية التي أرادتها. وإذا صح تحليل ستيفن والت، فإن هذا هو بالضبط ما جعل الحرب الاختيارية التي بدأت على وعد النصر السريع تتحول إلى مأزق استراتيجي يصعب على واشنطن إنهاؤه من دون إعادة تعريف معنى الانتصار نفسه.
