أنصار الله يوسّعون المواجهة.. باب المندب في قلب معادلة الصراع
يتجه المشهد اليمني إلى مرحلة جديدة من التصعيد، مع اتساع المواجهات بين أنصار الله والقوات الحكومية اليمنية، ووصول تداعيات المعارك إلى الأراضي السعودية، في وقت تزداد فيه أهمية الجبهة اليمنية ضمن المشهد الإقليمي المتوتر.
وبحسب المعطيات الواردة، أدت المواجهات الأخيرة إلى سقوط أكثر من 500 قتيل منذ الخميس الماضي، بالتزامن مع تراجع الهدوء الذي ساد الجبهات اليمنية منذ عام 2022، فيما تبدو مناطق الساحل الغربي ومحيط مضيق باب المندب أمام اختبار عسكري واستراتيجي جديد.
وفي الثامن من سبتمبر/أيلول، أعلن المتحدث العسكري باسم أنصار الله يحيى سريع تنفيذ هجوم واسع باتجاه السعودية، مستخدماً عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وقال إن العملية جاءت رداً على الغارات التي استهدفت مناطق يمنية خلال الأيام الماضية.
أرامكو تحت نيران أنصار الله ..َربة تهز جازان ورد غير مسبوق
أعلن أنصار الله تنفيذ هجوم صاروخي وجوي باتجاه أهداف داخل السعودية، بينها منشآت مرتبطة بشركة أرامكووقاعدة الملك خالد الجوية.
وقال يحيى سريع إن الهجوم جاء في إطار الرد على ما وصفه بالتصعيد العسكري السعودي ضد اليمن، مشيراً إلى تنفيذ عشرات الغارات خلال فترة قصيرة على محافظات يمنية عدة.
وتحدث سريع عن 121 غارة خلال ثلاثة أيام في الجوف والبيضاء ومأرب وتعز، إضافة إلى نحو 43 غارة خلال الساعات الأخيرة، بينما لم تتبنَّ القوات السعودية هذه الضربات، وفق المعطيات الواردة.
وتقدم أنصار الله هذه العمليات باعتبارها جزءاً من معادلة الردع، في محاولة لمنع تحويل الساحة اليمنية إلى جبهة مفتوحة من طرف واحد.
التصعيد اليمني يتجاوز الجبهة الداخلية
لم يعد التصعيد محصوراً داخل الأراضي اليمنية، إذ انتقلت تداعيات المواجهات إلى السعودية، التي تقود منذ سنوات جانباً رئيسياً من التحرك العسكري الداعم للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
ويرى أنصار الله أن تدخل الرياض في اليمن هو أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار الصراع، بينما تعتبر السعودية أن دعم الحكومة اليمنية جزء من سياستها الأمنية تجاه جارها الجنوبي.
وبين هذين الموقفين، تعود الجبهة اليمنية إلى واجهة الأحداث الإقليمية، خصوصاً مع دخول المناطق القريبة من الساحل الغربي ومضيق باب المندب في دائرة الاهتمام العسكري.
باب المندب.. الورقة الاستراتيجية الأقوى
باب المندب.. الورقة الاستراتيجية الأقوى
يمثلمضيق باب المندب أحد أهم عناصر القوة الجغرافية في اليمن، نظراً إلى موقعه الذي يربط خليج عدن بالبحر الأحمر، ويشكل ممراً أساسياً لحركة الملاحة بين آسيا وأوروبا.
ولهذا السبب، فإن السيطرة على المناطق المحيطة بالمضيق لا تعني مجرد مكسب ميداني داخل اليمن، بل تمنح الطرف المسيطر نفوذاً استراتيجياً على واحد من أهم الممرات البحرية في المنطقة.
وتتركز المعارك، بحسب المعطيات، في مناطق مثل حيس والجرارية، التي يمكن أن تشكل طرقاً مؤدية إلى المخا والساحل الغربي.
ومن منظور أنصار الله، فإن الاقتراب من هذه المناطق يعزز القدرة على التأثير في المعادلة البحرية والإقليمية، ويمنح الجبهة اليمنية وزناً أكبر في مواجهة الخصوم.
لماذا تكتسب حيس والجرارية أهمية كبيرة؟
تتمتع حيس والجرارية بموقع استراتيجي ضمن خريطة الصراع اليمني، بسبب قربهما من طرق تربط مناطق داخلية بالساحل الغربي.
ويرى محللون أن السيطرة على هذه المناطق قد تفتح الطريق نحو المخا والبحر الأحمر، وتؤثر في خطوط الإمداد والحركة بين تعز والحديدة وعدن.
وهذا يعني أن المعارك الحالية لا تتعلق فقط بالسيطرة على قرى أو مواقع عسكرية، وإنما ترتبط بخريطة أوسع للنفوذ في غرب اليمن.
وفي حال تمكن أنصار الله من تعزيز مواقعهم في هذه المنطقة، فقد تتحول المعادلة الميدانية إلى عنصر ضغط إضافي على القوات الحكومية وحلفائها.
الجبهة اليمنية والبحر الأحمر
الجبهة اليمنية والبحر الأحمر
لا يمكن فصل التصعيد اليمني عن أهمية البحر الأحمر بالنسبة إلى التجارة العالمية.
ولهذا، فإن أي تصعيد عسكري بالقرب من باب المندب يلفت اهتمام القوى الإقليمية والدولية، خصوصاً إذا ارتبط بتهديدات للملاحة أو منشآت الطاقة.
ويملك أنصار الله، بحكم موقعهم الجغرافي وقدراتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة، إمكانية تحويل الموقع اليمني إلى ورقة ضغط استراتيجية في أي مواجهة إقليمية واسعة.
من اليمن إلى السعودية.. معادلة ردع جديدة
يأتي استهداف الأراضي السعودية في سياق محاولة أنصار الله تثبيت معادلة مفادها أن استمرار الضربات داخل اليمن لن يمر من دون رد.
وبالنسبة إلى الجماعة، فإن نقل الضغط إلى العمق السعودي يمثل وسيلة لرفع تكلفة العمليات العسكرية، وإجبار الرياض على إعادة حساباتها بشأن استمرار التصعيد.
وفي المقابل، فإن اتساع نطاق الهجمات يرفع احتمالات تحول الجبهة اليمنية إلى عنصر أكثر تأثيراً في الحسابات الأمنية السعودية.
ترتبط التطورات اليمنية أيضاً بالصراع الإقليمي الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
وتعتبر طهران أن أنصار الله جزء من محور حلفائها في المنطقة، بينما ترى الولايات المتحدة والسعودية في الجماعة قوة مسلحة مدعومة من إيران وتمثل تهديداً للمصالح الإقليمية.
وفي المقابل، يقدم أنصار الله أنفسهم باعتبارهم قوة يمنية مستقلة في مواجهة التدخل الخارجي، ويؤكدون أن عملياتهم مرتبطة بما يعتبرونه دفاعاً عن اليمن ومواجهة الاعتداءات عليه.
وبغض النظر عن اختلاف الروايات، فإن موقع اليمن يجعل أي تصعيد فيه مرتبطاً بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية.
باب المندب في ظل أزمة مضيق هرمز
تزداد أهمية باب المندب مع استمرار التوتر حول مضيق هرمز، الذي يشكل بدوره ممراً بالغ الأهمية لحركة النفط والطاقة العالمية.
وأي اضطراب متزامن في المضيقين يمكن أن يضاعف المخاطر على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد، ويؤثر في حركة ناقلات النفط والغاز.
ومن هنا، فإن الصراع على اليمن لا يمكن قراءته بمعزل عن الجغرافيا الاستراتيجية للمنطقة، حيث تتحول الممرات البحرية إلى أوراق ضغط في الصراعات الإقليمية.
أكثر من 500 قتيل في التصعيد الأخير
أكثر من 500 قتيل في التصعيد الأخير
أدى التصعيد الأخير، وفق المعطيات الواردة، إلى مقتل أكثر من 500 شخص منذ الخميس الماضي، في مؤشر على حجم التدهور الميداني.
وتأتي هذه الخسائر بعد فترة طويلة من الهدوء النسبي، ما يثير مخاوف من عودة اليمن إلى مرحلة أوسع من الحرب المفتوحة.
ويبدو أن استمرار الضربات المتبادلة يمكن أن يدفع نحو مزيد من التصعيد، خصوصاً إذا ترافقت العمليات البرية مع ضربات صاروخية وطائرات مسيّرة باتجاه السعودية.
لماذا يصعب احتواء التصعيد؟
تتداخل في الأزمة اليمنية عوامل محلية وإقليمية ودولية تجعل الوصول إلى تهدئة شاملة أكثر صعوبة.
فالصراع الداخلي بين أنصار الله والقوات الحكومية يتقاطع مع الحسابات السعودية والإيرانية، فضلاً عن ارتباط اليمن بأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية.
كما أن موقع باب المندب يمنح أي طرف يمتلك نفوذاً عسكرياً في المنطقة قدرة على التأثير في حسابات أطراف دولية عديدة.
لذلك، فإن مستقبل التصعيد لن يتحدد فقط بما يجري على خطوط الجبهة، بل أيضاً بقدرة القوى الإقليمية على منع تحول اليمن إلى جبهة مفتوحة ضمن الصراع الأكبر في المنطقة.
أنصار الله أمام اختبار ميداني واستراتيجي
تمثل الجولة الحالية اختباراً مهماً لأنصار الله، خصوصاً مع انتقال المواجهة إلى مستويات أكثر اتساعاً.
فالنجاح في تثبيت مواقع متقدمة قرب الساحل الغربي سيمنح الجماعة ورقة استراتيجية إضافية، بينما استمرار الضربات السعودية قد يفرض عليها خوض معركة طويلة ومكلفة.
وفي الحالتين، يبقى باب المندب نقطة الثقل الرئيسية التي تجعل التطورات اليمنية محط أنظار المنطقة والعالم.