أفول الهيمنة الأميركية في هرمز: تداعيات فشل الردع والعقوبات على النظام الدولي

جريدة البناء: بقلم: حسن حردان

في مقاربة تتجاوز حدود المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، يطرح الكاتب حسن حردان في مقاله سؤالاً أوسع حول مستقبل النفوذ الأميركي في المنطقة والعالم، من بوابة مضيق هرمز الذي يشكّل عقدة استراتيجية بالغة الحساسية للاقتصاد والطاقة والتجارة الدولية. فالمواجهة، وفق قراءة المقال، لم تعد محكومة فقط بتوازن القوة العسكرية، بل باتت مرتبطة أيضاً بقدرة العقوبات الأميركية على فرض العزلة، وبمدى استمرار قدرة واشنطن على التحكم بمفاصل النظام المالي والاقتصادي العالمي.

ويرى حردان أن تعثّر سياسة العقوبات والردع أمام شبكة العلاقات التي نسجتها إيران مع الصين وروسيا وتكتلات دولية صاعدة، يفتح الباب أمام تحوّل أوسع في موازين القوى، ويطرح علامات استفهام حول مستقبل الأحادية القطبية ودور الولايات المتحدة في صياغة النظام الدولي.

العقوبات الأميركية لم تعد تمتلك الفاعلية نفسها التي كانت تتمتع بها في مراحل سابقة
العقوبات الأميركية لم تعد تمتلك الفاعلية نفسها التي كانت تتمتع بها في مراحل سابقة

ينطلق حسن حردان من فكرة أساسية مفادها أن العقوبات الأميركية لم تعد تمتلك الفاعلية نفسها التي كانت تتمتع بها في مراحل سابقة. فإيران، بحسب المقال، لم تعد دولة يمكن عزلها بسهولة، بعدما استطاعت بناء شبكة من العلاقات الاقتصادية والسياسية مع قوى دولية كبرى، ولا سيما الصين وروسيا، والاستفادة من أطر مثل «بريكس» ومنظمة شنغهاي للتعاون.

واللافت في طرح الكاتب أنه لا ينظر إلى المواجهة مع إيران باعتبارها مواجهة عسكرية فقط، بل يضع المعركة الاقتصادية والمالية في قلب الصراع. فمحاولات تجاوز نظام «سويفت» والتعامل بالعملات الوطنية، إلى جانب العلاقات التجارية مع الصين وروسيا، تقلّص تدريجياً قدرة واشنطن على استخدام الدولار والعقوبات كأداة ضغط حاسمة.

وفي هذا السياق، يبرز العامل الصيني باعتباره أحد أهم عناصر القوة في مواجهة سياسة العزل الأميركية. فبكين، وفق المقال، لا تبدو مستعدة للتعامل مع العقوبات الأميركية باعتبارها قاعدة ملزمة لسياستها الخارجية والاقتصادية، خصوصاً في ظل حاجتها إلى مصادر الطاقة، ومصلحتها في توسيع هامش استقلالها عن المنظومة المالية الغربية.

أما مضيق هرمز فيتحول في قراءة حردان إلى اختبار عملي لمعادلة الردع الأميركية. فالمسألة، كما يعرضها الكاتب، لا تتعلق فقط بأمن ممر مائي استراتيجي، بل بقدرة القوة الأميركية على حماية مصالحها عندما تواجه خصماً يستخدم أدوات غير تقليدية ويعتمد على استراتيجيات استنزاف وضغط متدرّج.

ومن هنا يصل المقال إلى النقطة الأهم: إذا كانت واشنطن غير قادرة على ترجمة تفوقها العسكري والاقتصادي إلى نتائج سياسية حاسمة، فإن المشكلة تصبح أكبر من مجرد أزمة في هرمز. إنها، في نظر الكاتب، مسألة تتصل بصورة الولايات المتحدة ومصداقية ردعها وقدرتها على قيادة النظام الدولي.

ويطرح المقال أيضاً مسألة تآكل القوة الناعمة الأميركية. فالإفراط في استخدام العقوبات والضغوط الاقتصادية، بدلاً من أن يؤدي دائماً إلى إخضاع الخصوم، قد يدفع هؤلاء إلى البحث عن بدائل مالية وتجارية وسياسية. وبذلك تتحول العقوبات، paradoxically، من أداة لتعزيز الهيمنة إلى عامل يدفع دولاً أخرى نحو بناء منظومات أقل ارتباطاً بواشنطن.

وفي الخلاصة، يقدم حردان مضيق هرمز باعتباره مرآة لتحولات دولية أوسع. فالمواجهة هناك تكشف، وفق رؤيته، حدود القدرة الأميركية على الجمع بين العقوبات والتهديد العسكري لفرض الإرادة السياسية، في وقت تتقدم فيه قوى دولية أخرى باتجاه نظام أكثر تعددية.

والرسالة الأبرز في المقال أن أفول الهيمنة الأميركية، إن كان يتشكل فعلاً، لن يحدث بالضرورة عبر هزيمة عسكرية مباشرة للولايات المتحدة، بل عبر تآكل تدريجي لأدوات نفوذها: الدولار، العقوبات، الردع العسكري، والقدرة على فرض الإجماع الدولي. ومن هذه الزاوية، تصبح هرمز أكثر من مجرد مضيق؛ إنها ساحة اختبار لمسار النظام الدولي نفسه، بين أحادية تحاول واشنطن الحفاظ عليها، وقطبية متعددة تتبلور ملامحها تدريجياً.

العقوبات الأميركية المشدّدة تحدياً معقداً يصطدم بتغيّرات جوهرية في خريطة الاقتصاد العالمي والنظام المالي الدولي
تمثل استراتيجية واشنطن لعزل إيران دولياً عبر حزم العقوبات الأميركية المشدّدة تحدياً معقداً يصطدم بتغيّرات جوهرية في خريطة الاقتصاد العالمي والنظام المالي الدولي. تشير قراءات مراكز الأبحاث إلى أنّ الرهان الأميركي على “الإماتة الاقتصادية” لطهران يواجه عقبات هيكلية كبرى نظراً لارتكاز إيران على شبكة تحالفات إقليمية ودولية بديلة:
الارتكاز على تكتلات القطبية المضادة (بريكس وشنغهاي): توفر العضوية المتكاملة لإيران في منظمة شانغهاي للتعاون ومجموعة “بريكس” مظلة دبلوماسية واقتصادية تمنع عزلها كلياً؛ إذ تتيح هذه التكتلات قنوات تعاون استراتيجي مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا، مما يجهض الهدف الأميركي في تحويل طهران إلى دولة منبوذة بالكامل على الصعيد الدبلوماسي.
الالتفاف على نظام “سويفت” والتعامل بالعملات الوطنية: مكّنت آليات التبادل التجاري البيْني خارج النظام المالي العالمي المهيمن عليه بالدولار (نظام سويفت)، والاعتماد على العملات المحلية (كـ اليوان الصيني والروبل الروسي والريال الإيراني)، طهران من تقليص فاعلية العقوبات المصرفية الغربية. تتيح هذه المنظومة تسوية الصفقات التجارية الحيوية ـ لا سيما صادرات الطاقة والسلع الأساسية ـ بعيداً عن أعين الخزانة الأميركية ومنظومة الرقابة الغربية.

المأزق الصيني وحدود النفوذ الأميركي: تصطدم العقوبات الثانوية القاسية التي تلوّح بها الإدارة الأميركية ضدّ شركاء إيران بحائط صدّ صيني. فبينما تحاول واشنطن دفع بكين وبقية الأطراف لقطع علاقاتها الاقتصادية مع طهران، ترفض الصين الانصياع لهذه الشروط، ملوّحة بأوراق ضغط مقابلة (مثل تقييد تصدير المعادن النادرة أو استخدام أدوات مالية استراتيجية)، فضلاً عن حاجة الاقتصاد الصيني المستمرة للنفط الإيراني بأسعار تفضيلية عبر شبكات “اسطول الظلّ” والمصافي المستقلة.
تآكل فعالية العصا الأميركية الأحادية: يؤكد المراقبون أنّ التوسع المفرط في استخدام العقوبات كمشجب دائم للأزمات الخارجية أدّى إلى “تآكل هيمنة الدولار” وتدشين مسارات دولية متسارعة لحماية الاقتصادات الناشئة من سلاح العقوبات الأميركية. ونتيجة لذلك، لم يعد التلويح بالعزل المالي يحقق نتائجه السريعة المرجوة، بل بات يدفع خصوم واشنطن نحو مزيد من الاندماج المالي والتقني المستقل عن المنظومة الغربية.
والسؤال، ما هو أثر هذه السياسة على مكانة أميركا العالمية؟
تنعكس سياسة التصعيد العسكري غير الحاسم والعقوبات المفرطة التي تتبعها الإدارة الأميركية في مضيق هرمز سلباً على مكانة الولايات المتحدة وقوتها الناعمة والصلبة على الصعيد الدولي، إذ تساهم في تقويض ركائز الهيمنة الأميركية عبر مسارات استراتيجية متعددة:
تآكل مصداقية الردع العسكري: كشف عجز القوة العسكرية الأميركية عن تأمين ممر حيوي كمضيق هرمز في وجه استراتيجيات إيران غير المتماثلة عن حدود قدرة واشنطن على خوض حروب استنزاف طويلة، مما يرسخ لدى الحلفاء والخصوم على حدّ سواء انطباعاً بتراجع القدرة الأميركية على حماية المصالح الحيوية وحلفائها الإقليميين بحسم.
فقدان القيادة المتعددة الأطراف: أظهرت المواجهة الأحادية في هرمز وعجز واشنطن عن حشد إجماع دولي حقيقي لفرض عزلة شاملة على طهران ـ نظراً لرفض قوى كبرى كالصين الانصياع للعقوبات الثانوية ـ تراجع قدرة الولايات المتحدة على هندسة النظام الدولي وإدارة الأزمات العالمية بالوسائل الدبلوماسية، لتتحوّل سياستها إلى ردود فعل قسرية تفتقر للجاذبية الاستراتيجية.
تكريس صورة التخبّط لصالح القطبية المتعددة: يرى المراقبون الدوليون أنّ هذا المأزق يمنح خصوم واشنطن (مثل الصين وروسيا) مادة دسمة لترويج سردية “أفول الأحادية القطبية”، مبرزين أنّ عجز واشنطن عن إدارة أزمة في ممر مائي ضيق يعكس بداية تحوّل هيكلي نحو نظام دولي متعدّد الأقطاب لا تملك فيه واشنطن رفقة “العصا الاقتصادية والتهديد العسكري المطلق” القدرة على إملاء شروطها منفردة…

 

شاركها.