أخطر انتصارات السلطة: حين تقنعنا بأن لا بديل منها!

جريدة الأخبار: كريم حداد

يفتح كريم حداد في مقاله مساحة نقدية لفهم السلطة تتجاوز صورتها التقليدية المرتبطة بالقوة والقمع والقوانين، ليناقش شكلاً أكثر خفاءً وتأثيراً من السيطرة، حين تنجح السلطة في تحويل خياراتها وقراراتها ومصالحها إلى «حقائق» تبدو طبيعية وحتمية ولا بديل عنها. فالمشكلة، وفق هذا المنظور، لا تكمن فقط في قدرة السلطة على فرض إرادتها، بل في قدرتها على تشكيل وعي الناس بحيث يعيدون إنتاج هذه الإرادة من داخلهم، أحياناً من دون إدراك أنهم يفعلون ذلك.

ومن خلال استحضار أفكار ماركس وغرامشي وفوكو وبورديو، يذهب المقال إلى أن الهيمنة الحديثة لا تحتاج دائماً إلى العنف المباشر، بل تستطيع أن تعمل عبر اللغة والثقافة والتعليم والإعلام والمؤسسات والمعرفة، وصولاً إلى تشكيل طموحات الأفراد وحدود ما يعتبرونه ممكناً أو واقعياً. وفي قلب هذه الفكرة تبرز عبارة «لا بديل» باعتبارها واحدة من أكثر أدوات السلطة فعالية، لأنها لا تمنع الإنسان من الاختيار صراحة، بل تضيق أمامه مساحة الخيارات إلى الحد الذي يصبح فيه الاختيار خارج النظام القائم ضرباً من العبث أو المستحيل.

ينطلق المقال من فكرة محورية مفادها أن القوة وحدها لا تفسّر استمرار السلطة. فالدولة التي تحتاج إلى القمع الدائم لإبقاء المجتمع خاضعاً تكشف، في مكان ما، عن ضعف في قدرتها على إنتاج القبول. أما السلطة الأكثر رسوخاً فهي التي تتمكن من جعل النظام القائم يبدو طبيعياً، ومن ثم يصبح الدفاع عنه أو التكيف معه أمراً تلقائياً.

وهنا ينتقل حداد من مفهوم السلطة بوصفها قوة ظاهرة إلى السلطة بوصفها منظومة تصنع الوعي. فالإنسان يستطيع مقاومة أمر يعرف أنه مفروض عليه، لكن مقاومة فكرة يعتقد أنها «طبيعية» تصبح أكثر صعوبة. ومن هنا تأتي خطورة تحويل القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى ضرورات لا تقبل النقاش.

ويستند الكاتب إلى غرامشي لتفسير هذه الآلية من خلال مفهوم «الهيمنة». فالطبقة أو الفئة المسيطرة لا تكتفي بالسيطرة الاقتصادية أو السياسية، بل تسعى إلى جعل رؤيتها للعالم جزءاً من «الحس المشترك». وعندما تنتقل أفكار السلطة إلى المدرسة والإعلام والثقافة والأسرة واللغة اليومية، يصبح النظام القائم قادراً على الاستمرار حتى من دون اللجوء المستمر إلى القمع.

وهذه ربما إحدى أهم أفكار المقال: الانتصار الحقيقي للهيمنة يبدأ عندما يتبنى المحكوم لغة الحاكم في تفسير واقعه. عندها لا يعود الصراع مجرد مواجهة بين طرفين، بل يصبح صراعاً على تعريف المفاهيم نفسها: ما الحرية؟ ما العقلانية؟ ما النجاح؟ ما الواقعية؟ ومن يحدد ما يمكن وما لا يمكن؟

ثم يوسع فوكو هذا النقاش، فيوضح أن السلطة لا توجد فقط في مؤسسات الدولة أو في موقع سياسي مركزي، بل تنتشر داخل المؤسسات والمعرفة والممارسات اليومية. فالمدرسة تصنف وتقيس، والمستشفى يحدد ما هو طبيعي وما هو مرضي، والسجن يعرّف الانحراف، والمؤسسات المختلفة تنتج معارف وتصنيفات تؤثر في الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه.

أما بورديو، فيأخذ المسألة إلى مستوى أكثر عمقاً، حيث لا تبقى الحدود الاجتماعية خارج الإنسان، بل تتحول تدريجياً إلى حدود نفسية. فيبدأ الفرد نفسه بالاعتقاد بأن بعض الجامعات أو المهن أو المواقع الاجتماعية «ليست له»، وأن السياسة أو النفوذ أو النجاح حكر على فئات معينة. وهنا تتحول علاقات القوة التاريخية إلى شعور داخلي بالكفاءة أو العجز.

وفي القسم المتعلق بمقولة «لا بديل»، يصل المقال إلى ذروة فكرته السياسية. فالمشكلة ليست في وجود قيود حقيقية أو ضرورات موضوعية، بل في استخدام مفهوم الضرورة لإغلاق النقاش السياسي مسبقاً. عندما يقال إن «الأسواق تريد»، أو إن «الاقتصاد يفرض»، أو إن «الأمن يقتضي»، تختفي القرارات البشرية خلف لغة تبدو محايدة، وكأنها صادرة عن قوانين طبيعية لا يستطيع أحد تغييرها.

وهنا تصبح الديمقراطية نفسها أمام اختبار صعب: قد تبقى الانتخابات والبرلمانات والأحزاب والحريات موجودة شكلاً، لكن مجال الاختيار الفعلي يمكن أن يضيق مضموناً. يستطيع المواطن أن يختار، لكن ضمن حدود مرسومة مسبقاً؛ ويمكنه أن يعترض، شرط ألا يقترب كثيراً من الخيارات التي جرى تعريفها باعتبارها «غير واقعية».

ولا يقدم المقال المقاومة باعتبارها إلغاءً للسلطة، فذلك غير واقعي، بل باعتبارها رفضاً لتحويل السلطة إلى قدر أو نهاية للتاريخ. والمقاومة الفكرية تبدأ تحديداً من إعادة فتح السؤال حول ما يبدو محسوماً، والتفريق بين الضرورة الحقيقية وبين ما أصبح يبدو ضرورة لأن علاقة قوة نجحت في التخفي خلفها.

وفي الخلاصة، يضع حداد أمام القارئ وظيفة أساسية للفكر النقدي: أن يشكك في المسلمات من دون الوقوع في نظرية المؤامرة، وأن يسأل دائماً عمّا إذا كان الواقع الذي نراه حتمياً حتمياً بالفعل، أم أنه نتيجة خيارات وعلاقات قوة يمكن تغييرها.

وبذلك فإن أخطر انتصارات السلطة، وفق منطق المقال، ليست أن تمنعك من تغيير العالم، بل أن تجعلك تتوقف عن تخيل عالم مختلف أصلاً. وعندما تصل السلطة إلى هذه المرحلة، فإنها لا تعود بحاجة إلى أن تقول «ممنوع»؛ يكفي أن تجعل الإنسان يقول لنفسه: «لا فائدة… لا بديل».

 

ليست أقوى سلطة تلك التي تضرب أكثر، ولا الدولة التي تملك أكبر عدد من الجنود والسجون، ولا الطبقة التي تستطيع فرض إرادتها بالقانون وحده. ثمة شكل أعمق من السلطة يبدأ عندما لا تعود مضطرة إلى إجبار الناس على قبول العالم القائم، لأنهم أصبحوا يرونه العالم الوحيد الممكن. عند هذه النقطة تتحول القوة إلى «حقيقة»، والسياسة إلى «ضرورة»، والعلاقات التي صنعها التاريخ إلى أشياء تبدو كما لو أنها من طبيعة الحياة نفسها.

وهنا تحديداً تبدأ المشكلة التي شغلت، بطرق مختلفة، عدداً من أهم مفكري السلطة في العصر الحديث: ماركس وغرامشي وفوكو وبورديو وغيرهم. فالسلطة لا تستمر بالقسر وحده. ولو احتاج كل نظام اجتماعي إلى شرطي خلف كل مواطن، لما استطاع أي نظام أن يعيش طويلاً. الاستقرار الحقيقي يبدأ عندما يصبح قسم كبير من الخاضعين للسلطة مشاركاً، بوعي أو من دونه، في إعادة إنتاجها.

ومن هنا يمكن فهم واحدة من أهم الأفكار السياسية في زمننا: السلطة تقدم نفسها بوصفها حتمية، والمقاومة تبدأ بإثبات أنها ليست كذلك. كونه من السهل رؤية السلطة في هيئة دبابة أو شرطي أو قرار اعتقال. لكن رؤيتها تصبح أصعب عندما تتحول إلى لغة وعادات وتصنيفات ومؤسسات وأفكار تبدو محايدة. والإنسان يستطيع أن يقاوم أمراً يعرف أنه مفروض عليه. لكن مقاومة الشيء تصبح أصعب عندما يعتقد أنه طبيعي.

حين يقال، مثلاً، إن الأسواق «تطلب» إجراءً معيناً، أو إن الاقتصاد «يفرض» خفض الإنفاق، أو إن الأمن «يقتضي» توسيع المراقبة، أو إن التطور التكنولوجي «لا يمكن إيقافه»، تختفي القرارات البشرية وراء لغة الضرورة. هنا تعمل السلطة بطريقة أكثر ذكاءً من المنع. إنها تضيّق مجال الممكن. بدلاً من أن تقول لك: «ممنوع أن تفكر في البديل»، تجعل البديل يبدو سخيفاً أو طفولياً أو متطرفاً أو مستحيلاً.
كان غرامشي من أكثر من أدركوا هذه المعضلة. فقد وجد أن تفسير السيطرة الطبقية بالقوة الاقتصادية وأجهزة الدولة لا يكفي. لماذا لا تثور المجتمعات باستمرار على علاقات غير متكافئة؟ ولماذا يستطيع نظام اجتماعي أن يعيش عشرات السنين من دون أن يحتاج إلى استخدام العنف كل يوم؟

 

جاء مفهوم «الهيمنة» ليجيب عن ذلك. الطبقة المسيطرة لا تحكم بالقسر وحده؛ إنها تحاول جعل رؤيتها للعالم جزءاً من «الحس المشترك». تنتشر أفكارها في المدرسة والصحافة والدين والثقافة والأسرة واللغة اليومية، إلى درجة أن النظام القائم يبدأ بالظهور باعتباره التعبير المعقول عن الحياة نفسها.

وعندها يصبح الإنجاز الأكبر للهيمنة أن يتحدث المحكوم أحياناً بمفردات الحاكم من دون أن يطلب منه الحاكم ذلك. لهذا أعطى غرامشي للثقافة والتعليم والمثقفين أهمية استثنائية. فالمعركة السياسية لا تقع في البرلمان والمصنع والثكنة فقط. إنها تقع أيضاً في تعريف الكلمات: ما الحرية؟ ما النجاح؟ ما العقلانية؟ من هو المواطن الصالح؟ ما الذي يعد واقعياً؟ وما الذي يصنف خيالاً؟

 

ثم يأتي ميشال فوكو ليزيد المسألة تعقيداً. فالسلطة عنده لا توجد في الأعلى فقط ولا تتدفق ببساطة من الدولة إلى المجتمع. إنها منتشرة داخل العلاقات والمؤسسات والمعرفة والتخصصات والممارسات اليومية. المستشفى ينتج معرفة عن الطبيعي والمرضي. المدرسة تقيس وتصنف وترتب. السجن لا يعاقب فقط بل يعرّف الانحراف. المؤسسات النفسية والطبية والقانونية تنتج بدورها فئات تصف الإنسان، ثم يبدأ الإنسان بفهم نفسه من خلالها. وهنا تصبح العلاقة بين المعرفة والسلطة حاسمة.
من يملك سلطة تعريف الطبيعي لا يحتاج دائماً إلى معاقبة غير الطبيعي؛ يكفي أن يجعل الفرد يراقب نفسه.
أما بيار بورديو، فيذهب إلى منطقة أكثر خفاءً: كيف تتحول البنية الاجتماعية إلى ميول داخل الأفراد أنفسهم؟ فالإنسان يولد داخل عالم سبق وجوده: لغة، طبقة اجتماعية، مدرسة، أذواق، قواعد سلوك، طرق للكلام والجلوس والاختيار، تصورات عن المهن اللائقة والطموحات المعقولة. ومع الزمن لا تبقى هذه البنى خارجية.

 

قد يقول: «هذه الجامعة ليست لأمثالي»، أو «هذه المهنة تحتاج إلى نوع آخر من الناس»، أو «السياسة ليست لنا»، أو «هؤلاء ولدوا ليحكموا». وفي هذه النقطة تحقق السلطة إنجازاً بالغ العمق، إذ تنجح في تحويل الحدود الاجتماعية إلى حدود نفسية. وما كان في الأصل توزيعاً تاريخياً للقوة والثروة والرأسمال الثقافي يصبح شعوراً شخصياً بالكفاءة أو عدم الكفاءة.

ولعل العقود الأخيرة قدمت المثال الأوضح على سلطة الحتمية. كانت العبارة الشهيرة «لا بديل» أكثر من شعار اقتصادي. لقد اختزلت فلسفة كاملة للحكم. لم يعد المطلوب إقناع الناس بأن سياسة معينة عادلة، بل إقناعهم بأنها الوحيدة الممكنة. يمكن أن تختلف الحكومات، لكن الأسواق باقية. يمكن أن تتغير الأحزاب، ولكنّ هناك حدوداً لما يسمح به المستثمرون. يمكن للناخب أن يختار، لكن بعض الخيارات توصف مسبقاً بأنها غير واقعية.

 

وهكذا تستطيع الديمقراطية أن تستمر في الشكل فيما يضيق مجال القرار السياسي في المضمون. إنها سلطة فعالة لأنها لا تقول للمواطن: «ليس لك الحق في الاختيار». بل تقول له: «اختر ما تشاء، لكن العالم سيعاقبك إن اخترت خارج هذه الحدود». والفرق بين الجملتين هائل. الأولى استبداد ظاهر، أما الثانية، فتستطيع أن تتعايش مع الانتخابات والإعلام والبرلمانات والحريات الفردية.

بهذا المعنى يمكن فهم طبيعة المقاومة. ومعناها الأعمق هو أنها ليست وعداً بعالم بلا سلطة، فهذا يكاد يكون وهماً، وإنما رفض حق أي سلطة في تقديم نفسها باعتبارها نهاية التاريخ. وكثرة استخدام السلطة للقوة قد تكون علامة على تصدع الهيمنة، فمن يحتاج إلى إقناع الناس بالقوة كل يوم لم يعد قادراً على الحصول على رضاهم بالسهولة السابقة. أما السلطة الأكثر رسوخاً، فهي التي لا تبدو سلطة أصلاً. تسكن في الكلمات التي نستعملها، وفي التصنيفات التي نفكر من خلالها، وفي الحدود التي نضعها لأحلامنا، وفي الجملة الصغيرة التي نقولها لأنفسنا قبل أن نحاول تغيير شيء:

وهنا تكمن الوظيفة الأولى للفكر النقدي. ليس أن يخبرنا بأن كل شيء مؤامرة، ولا أن ينكر وجود القيود والضرورات، بل أن يسأل باستمرار: أي جزء مما نسميه ضرورة هو ضرورة بالفعل، وأي جزء منه علاقة قوة نجحت في التنكر في هيئة ضرورة؟

شاركها.