أبو عمر…نفوذ الوهم ينخر السياسة اللبنانية./نادين خزعل.
خاص مركز بيروت للأخبار.
في ظل احتدام الأزمات المتراكمة التي تضرب الوطن، تحول النفوذ الخارجي الى مادة تداول يومية في الخطاب السياسي..
مؤخرًا، انفجرت واحدة من أكثر القضايا غرابة وإحراجًا للمشهد العام اللبناني. قضية شخص عُرف باسم “أبو عمر”، نجح على مدى سنوات في التغلغل داخل أوساط سياسية وحزبية، مقدّمًا نفسه كصاحب نفوذ وعلاقات مباشرة مع دوائر القرار في المملكة العربية السعودية، قبل أن يتبيّن لاحقًا أن كل ما بُني عليه هذا الدور لم يكن سوى وهمٍ محكم الصنع.
لم تظهر هذه القصة فجأة، بل تشكّلت تدريجيًا على مدى ما يقارب عشر سنوات، وفق ما كشفت تحقيقات صحفية وأمنية. “أبو عمر” لم يكن أميرًا ولا مبعوثًا رسميًا ولا حتى شخصية ذات صفة دبلوماسية، بل شخص لبناني يُدعى مصطفى الحسيان، من منطقة عكّار، يعمل في الأصل في مهنة ميكانيك السيارات، ولا يمتلك أي صلة رسمية أو غير رسمية بالمؤسسات السعودية أو بدوائر القرار فيها. ومع ذلك، استطاع أن ينسج حول نفسه صورة مختلفة تمامًا، مستفيدًا من مناخ سياسي مأزوم، ومن تعطّش بعض السياسيين اللبنانيين لأي قناة تواصل خارجية قد تمنحهم دعمًا أو غطاءً أو فرصة نفوذ.
اعتمد “أبو عمر” أسلوبًا واحدًا ثابتًا في تحركاته: التواصل الهاتفي فقط. لم يظهر في أي مناسبة رسمية، ولم يُسجَّل له أي حضور في مناسبات دبلوماسية أو لقاءات علنية، ولم يُشاهَد يومًا إلى جانب أي مسؤول سعودي. ومع ذلك، كانت مكالماته الهاتفية كافية لإقناع عدد من السياسيين والناشطين بأنه يمتلك مفاتيح التأثير في الخارج، وأنه قادر على تأمين دعم سياسي أو انتخابي، أو تسهيل الوصول إلى مراكز القرار، أو نقل “رسائل” من جهات نافذة.
ما كان يُعرض في هذه الاتصالات لم يكن مالًا مباشرًا بقدر ما كان وعودًا بالنفوذ: دعم سياسي، مباركة خارجية، تسهيل علاقات، أو تحسين موقع هذا الطرف أو ذاك في معادلات داخلية حساسة. ومع مرور الوقت، بدأ بعض المتعاملين معه يلاحظون تناقضات في الروايات، وغياب أي نتائج ملموسة، وتأجيلًا دائمًا لأي خطوة فعلية، إلى أن بدأت الشكوك تتراكم.
اللحظة المفصلية في انكشاف الخدعة جاءت عندما حاول أحد السياسيين التواصل مع “أبو عمر” وهو جالس فعليًا إلى جانب مصطفى الحسيان نفسه، ليُفاجأ بأن الاتصال يُحوَّل إلى هاتف الشخص ذاته، ما كشف بشكل فاضح أن “الشخصيتين” ليستا سوى واحدة. عندها سقطت الهالة المصطنعة، وبدأت الأسئلة تُطرح علنًا: من هو هذا الرجل؟ كيف استطاع الاستمرار كل هذه المدة؟ ومن سهّل له الدخول إلى هذا العالم؟
التحقيقات اللاحقة أظهرت أن القضية لا تقتصر على عملية احتيال فردية، بل تكشف خللًا أعمق في بنية العمل السياسي اللبناني. فالمشكلة لا تكمن فقط في شخص انتحل صفة ونفوذًا، بل في استعداد بعض السياسيين لتصديق هذه المزاعم دون أي تدقيق، وفي القفز فوق القنوات الرسمية والمؤسسات الدبلوماسية المعروفة، بحثًا عن “اختصارات” خارجية قد تمنح مكاسب سريعة.
هنا يبرز السؤال الجوهري: أين المنطق؟ كيف يمكن لسياسيين يفترض أنهم أصحاب تجربة ومسؤولية أن يراهنوا على اتصالات هاتفية مجهولة المصدر، وأن يبنوا خياراتهم على وعود غير موثقة؟ الإجابة، كما يرى محللون، تكمن في طبيعة النظام السياسي اللبناني نفسه، القائم على الهشاشة، وعلى الارتهان للعوامل الخارجية، وعلى منطق الوساطات بدل المؤسسات، ما يجعل الساحة مفتوحة أمام مثل هذه الظواهر.
اليوم، بات الملف قيد المتابعة القضائية، مع توجه للتحقيق في شبهات نصب واحتيال وانتحال صفة، واحتمال توسيع دائرة التحقيق لتشمل وسطاء أو متورطين أو مستفيدين. في المقابل، سارعت جهات سياسية إلى نفي أي علاقة لها بالشخص المذكور، في محاولة لاحتواء التداعيات السياسية والإعلامية للقضية.
لكن، بعيدًا عن الأسماء والتفاصيل، تبقى قضية “أبو عمر” بمثابة جرس إنذار. فهي تكشف إلى أي حد يمكن للوهم أن يتحول إلى أداة نفوذ في بيئة سياسية مأزومة، وإلى أي مدى ما زال بعض الفاعلين السياسيين يفتشون عن شرعية خارجية بدل بناء شرعية داخلية قائمة على العمل العام والمساءلة والمؤسسات.
فضيحة أبو عمر تعكس واقعًا سياسيًا يحتاج إلى مراجعة عميقة، وإلى إعادة الاعتبار للمنطق، وللقانون، وللدولة، حتى لا تتكرر ظواهر مشابهة، بأسماء مختلفة، وأساليب أكثر تطورًا.
