وعد بلفور المشؤوم واستمرار النكبة: الإبادة والاستيطان عجزا عن كسر إرادة الشعب الفلسطيني وطمس هويته الوطنية
وعد بلفور المشؤوم واستمرار النكبة: الإبادة والاستيطان عجزا عن كسر إرادة الشعب الفلسطيني وطمس هويته الوطنية
صحبغة البناء: بقلم حسن حردان
الكاتب والمحلل السياسي حسن حردان
في الذكرى السنوية لوعد بلفور، تعود القضية الفلسطينية إلى واجهة المشهد، في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة وتصاعد الاستيطان والاعتداءات في الضفة الغربية، وسط محاولات متواصلة لطمس الهوية الوطنية الفلسطينية. وفي قراءة للمسار التاريخي والسياسي الممتد منذ عام 1917، يتناول الكاتب حسن حردان أوجه الترابط بين وعد بلفور والنكبة المستمرة، مسلطاً الضوء على صمود الشعب الفلسطيني في مختلف ساحات وجوده، والدعم الأميركي والغربي للاحتلال، ومؤكداً أن الإبادة والتهجير والاستيطان لم تنجح في إنهاء القضية الفلسطينية أو كسر إرادة شعبها.
“إنّ التاريخ عندما يُكتب بدماء الشعوب وإرادتها الصلبة، لا يمكن لوثيقة استعمارية أو لآلة بطش للاحتلال مهما بلغت في توحشها أن تمحو وجوده.”
منذ أن أُطلق “وعد بلفور” المشؤوم في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، والمنطقة تعيش على وقع جريمة تاريخية مركّبة أرسى دعائمها الاستعمار الغربي وتتوارثها اليوم أعتى أشكال الاحتلال الإحلالي. لم يكن ذلك الوعد مجرد حبر على ورق، بل كان الضوء الأخضر لمسار ممتدّ من التهجير القسري للشعب الفلسطيني من أرضه وحرمانه من حقوقه الوطنية. واليوم، نرى امتداد هذه النواة الاستعمارية في أبشع صورها: حرب إبادة وتجويع متواصلة تُشنّ على قطاع غزة، وزحف استيطاني وإرهاب يلتهم الضفة الغربية، ومحاولات حصار ومحو سياسي وهوياتي تُواجه بصمود واعي في الداخل الفلسطيني. ومع ذلك، وأمام هذا التحالف الاستعماري والدعم الغربي غير المحدود، يقف الشعب الفلسطيني بمختلف ساحات تواجده ليرسم حقيقة جديدة مفادها: أنّ محاولات كسر الإرادة الوطنية ومحو القضية محكومة بالفشل أمام صمود أسطوري يثبت يوماً بعد يوم أنه عصيٌّ على الاقتلاع.
أولاً: غزة… حرب الإبادة والحصار والصمود الأسطوري فوق الركام
يمثل ما يحصل في قطاع غزة في المرحلة الراهنة ذروة التوحش الاستعماري؛ حيث تحوّلت آلة الحرب الإسرائيلية إلى أدوات تدمير شامل تستهدف مقومات الحياة بأسرها عبر القصف المدمّر، والتجويع الممنهج، واغتيال الطواقم الحيوية والطبية.
غير أنّ غزة، ورغم حجم الفظائع المرتكبة والألم الإنساني غير المسبوق، تكسر مخططات الإلغاء عبر صمود أسطوري لأهلها:
أظهر أهالي قطاع غزة إرادة خيالية في البقاء والتمسك بالبقاء بالارض، رافضين كلّ سيناريوات التهجير القسري والنفي خارج حدود الوطن، ومؤكدين أنّ الحياة تحت ركام المنازل أصلب من خيارات اقتلاعهم.
تجلّى الصمود في قدرة المجتمع الغزي على ابتكار أدوات البقاء وسط التجويع والمحيط المعزول، ليصبح هذا الصمود صخرة تتحطم عليها أهداف العدوان الاستراتيجية الساعية إلى كسر الإرادة الوطنية.
ثانياً: الضفة الغربية… ثبات في وجه زحف الاستيطان وإرهاب المستوطنين
في التوقيت ذاته الذي تهدف فيه آلة الإبادة إلى مسح غزة، تشهد الضفة الغربية تصعيداً غير مسبوق عبر التوسع الاستيطاني، وشرعنة البؤر الرعوية، وتقطيع أوصال المدن بالكانتونات العسكرية، إلى جانب هدم المنازل وتصاعد اعتداءات ميليشيات المستوطنين المسلحة بحماية جيش الاحتلال.
وأمام هذه المخططات، يبرز صمود أهالي الضفة الغربية وثباتهم الميداني:
ـ التصدي لإرهاب قوات الاحتلال والمستوطنين: يخوض الأهالي في القرى والبلدات والتجمعات البدوية مواجهات يومية للحفاظ على أرضهم ومراعيهم ومنازلهم، رافضين الإخلاء القسري والتهجير الصامت الذي تحاول العصابات الاستيطانية فرضه بقوة السلاح.
ـ إفشال مخططات العدو: رغم عمليات الاقتحام والتنكيل اليومي وسياسات الخنق الاقتصادي والعسكري، يثبت أهالي الضفة أنّ سياسات الضمّ الفعلي لن تجلب للاحتلال استقراراً، وأنّ الأرض تبقى لأصحابها المرابطين عليها.
ثالثاً: تعاظم دور فلسطينيي 48 وإفشال مخططات الفصل
تتجسّد إحدى أهمّ معالم الصمود الفلسطيني الشامل في صمود وتعاظم دور الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 (الداخل الفلسطيني)؛ فهم ليسوا مجرد جزء أصيل من النسيج الوطني، بل يمثلون العصب الحامي للهوية الوطنية في قلب كيان الاحتلال:
ـ الوزن السياسي وإفشال حسابات الاحتلال: تجسّد هذا الدور الفاعل عبر المشاركة الواسعة والفاعلة في المحطات السياسية والانتخابية، حيث وجه الشارع الفلسطيني رسالة ديموغرافية ووطنية حازمة كشفت عمق حضوره وأربكت حسابات اليمين الصهيوني المتطرف، مؤكدين أنّ محاولات تدجين مجتمع الداخل أو تفريغه من هويته عبر القوانين العنصرية قد باءت بالفشل.
ـ وحدة الهوية والمصير: يثبت فلسطينيو 48 عبر حراكهم ومواقفهم النضالية في الجليل والنقب والمدن الساحلية، أنّ الجغرافيا المقسمة لا تكسر وحدة النضال؛ حيث يشكل صمودهم ثابتاً ديموغرافياً وسياسياً يمنع حسم الصراع لصالح المشروع الاستيطاني.
رابعاً: الشراكة الغربية والدعم الأميركي غطاء مفتوح للعدوان…
إنّ استمرار هذا الظلم والاضظهاد التاريخي والتغاضي عن أبشع جرائم العصر بحق الشعب الفلسطيني ما كان ليستمرّ لولا الرعاية والغطاء والدعم الاستراتيجي الغربي، وفي طليعته الإدارة الأميركية:
ـ الدعم الدبلوماسي والعسكري: توفير شبكات الحماية الدولية في المؤسسات الأممية، واستمرار إمدادات السلاح والذخائر المتطورة لكيان الاحتلال.
ـ المعايير المزدوجة: تعطيل مبادئ القانون الدولي الإنساني وتبرير الجرائم كـ “دفاع عن النفس”، مقارنة بالتعامل الحازم مع أزمات دولية أخرى.
ـ المصالح الجيوسياسية: الإصرار على حماية الكيان “الإسرائيلي” كرأس حربة استعمارية وموقع نفوذ متقدم في الوطن العربي، متجاهلين عدالة القضية وحقوق الإنسان.
خامساً: خلاصات
ـ استمرار الجريمة الاستعمارية: حرب الإبادة في غزة والاستيطان في الضفة ومحاولات الأسرلة في الداخل ليست أحداثاً منفصلة، بل هي أدوات تنفيذية ممتدة لجريمة وعد بلفور والهادفة لإلغاء الوجود الفلسطيني.
ـ شمولية الصمود وتلاحم الساحات: تتكامل الملحمة الوطنية بين صمود أهالي غزة الأسطوري بوجه الإبادة، وثبات أهالي الضفة أمام الاستيطان، والحضور السياسي والهوياتي المؤثر لفلسطينيي 48، لتسقط جميعها وهم “حسم الصراع” بالقوة.
ـ الانكشاف الأخلاقي للغرب: أثبتت الشراكة الأميركية والغربية مع الاحتلال أنّ المبادئ والشعارات الدولية تسقط عندما تتضارب مع المصالح الاستعمارية، مما يسرّع من تحوّل الرأي العام الشعبي العالمي لصالح العدالة لفلسطين.
استحالة الحلّ الأمني والحسم العسكري: لا يمكن لآلة الحرب ولا لسياسات التهجير والتجويع أن تصنع استقراراً أو تحشر قضية شعب عادلة في زاوية النسيان؛ فالصراع سيبقى مفتوحاً حتى نيل الحقوق كاملة.
انطلاقاً مما تقدم يمكن القول:
إنّ المراهنة على كسر الشعب الفلسطيني أو تجريده من حقه التاريخي والوطني هي مراهنة على وهمٍ استعماري أثبتت العقود عقمه وتهافته. إنّ الصمود الأسطوري المتجذر في غزة، والثرى الثابت في الضفة، والوعي الباقي في الداخل والشتات، يبعث برسالة صريحة إلى العالم أجمع: إنّ جريمة بلفور التي أطلقت شرايين الدم في المنطقة لن تُغلق صفحاتها إلا بإنهاء الاحتلال والاضطهاد القومي الذي يعاني منه الشعب اىفلسطيني ونيله حريته وحقوقه الوطنية.