تكشف وثيقة منسوبة إلى مجلس الأمن القومي الأمريكي مقاربة مقترحة للتعامل مع الملف اللبناني، تقوم على إعادة بناء مؤسسات الدولة بالتوازي مع مسار ضغوط قانونية ومالية وأمنية يستهدف البنية العسكرية والأمنية لحزب الله، وفق النص المنشور في الجزء الثالث والأخير من الوثيقة.

وتطرح الوثيقة برنامجاً تصل قيمته إلى 40 مليار دولار، لا بوصفه مجرد خطة لإعمار ما دمرته الحرب، بل باعتباره برنامجاً أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية، واستعادة أموال المودعين، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وربط إعادة الإعمار بإطار أمني وسياسي بين لبنان وإسرائيل.

وفي الوقت نفسه، تقترح الوثيقة مساراً موازياً من العقوبات والإجراءات المالية والقضائية والاستخباراتية ضد ما تصفه بالنواة العسكرية والأمنية لحزب الله، مع التركيز على تجفيف مصادر التمويل وتعطيل شبكات التسليح والعمليات المالية.

وثيقة مجلس الأمن القومي.. مقاربة مختلفة للبنان

بحسب الوثيقة المنشورة، فإن الفكرة الأساسية لا تقوم على التخلي عن الهدف الأمريكي المعلن المتعلق بإضعاف حزب الله، وإنما على البحث عن مسار مختلف عن الحرب لتحقيق هذا الهدف.

وتشير الوثيقة إلى أن واشنطن قد تبحث عن صيغة تمنحها نفوذاً مستداماً في المنطقة، عبر دعم بناء مؤسسات الدولة وإعادة الإعمار، بدلاً من الاعتماد حصراً على العمليات العسكرية.

وتقول الوثيقة، وفق النص المنشور، إن الولايات المتحدة لن تتحمل وحدها تكلفة إعادة إعمار لبنان، إذ يفترض أن يأتي الجزء الأكبر من التمويل من الدول العربية وبعض العواصم الدولية، فيما تحتفظ واشنطن بدور أساسي في الإشراف على آليات الإنفاق.

40 مليار دولار.. إعادة بناء الدولة لا الإعمار فقط

40 مليار دولار.. إعادة بناء الدولة لا الإعمار فقط
40 مليار دولار.. إعادة بناء الدولة لا الإعمار فقط

لا تقدم الوثيقة مبلغ 40 مليار دولار باعتباره تقديراً لخسائر الحرب فحسب، بل كـ برنامج استراتيجي يشمل إعادة الإعمار، وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، واستقرار أوضاع المودعين، و الحوكمة الرقمية، والتعافي البلدي وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وكانت تغطية سابقة للوثيقة قد أشارت إلى تصور لإنشاء هيئة لبنانية بإشراف دولي تتولى ملف إعادة الإعمار على مدى خمس سنوات، بما يعكس اتساع التصور المطروح من مجرد تمويل مشاريع إلى إعادة تنظيم آليات إدارة عملية إعادة البناء.

اتفاق 17 أيار.. الدرس الذي تستحضره الوثيقة

تستحضر الوثيقة تجربة اتفاق 17 أيار 1983 باعتبارها مثالاً على مخاطر التفاوض غير المتوازن.

وتقارن بين تلك التجربة واتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل عام 2022، الذي جرى عبر مفاوضات غير مباشرة وبرعاية أمريكية، من دون أن يقدم رسمياً باعتباره اتفاق تطبيع.

وبحسب الوثيقة، فإن أي اتفاق جديد يحتاج إلى حد أدنى من الاستيعاب الداخلي والاحتواء الإقليمي والقدرة على التنفيذ، إلى جانب عروض جدية وموثوقة في مجال بناء الدولة.

كيف يمكن أن يفشل البرنامج؟

تحدد الوثيقة مجموعة من المخاطر التي قد تؤدي إلى فشل المقاربة المقترحة، أبرزها الاكتفاء بتعهدات مالية نظرية، أو ربط التمويل بشروط يصعب تطبيقها، أو مرور الأموال عبر قنوات الفساد السياسي والطائفي.

كما تعتبر أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي قد يعزز، بحسب تصور الوثيقة، سردية الحاجة إلى الحماية التي يستند إليها حزب الله.

وتحذر الوثيقة من أن تتحول عملية إعادة الإعمار إلى مناسبة سياسية وإعلامية قصيرة الأمد، بدلاً من أن تكون مشروعاً طويل النفس يحتاج إلى تنفيذ ومتابعة.

90 إلى 180 يوماً.. اختبار الخطة في الجنوب

تطرح الوثيقة إطاراً زمنياً يتراوح بين 90 و180 يوماً لظهور مشاريع فعلية على الأرض في جنوب لبنان.

وبحسب التصور الوارد فيها، فإن عدم لمس السكان نتائج عملية خلال هذه الفترة يمكن أن يتيح للسردية المضادة للبرنامج استعادة حضورها، بينما قد يؤدي تسليم عملية إعادة الإعمار إلى حزب الله إلى استمرار ارتباط الخدمات به بدلاً من مؤسسات الدولة.

كما تحذر الوثيقة من تحويل إعادة بناء الدولة إلى خطاب يستهدف البيئة الشيعية أو يحملها طابعاً إذلالياً، معتبرة أن ذلك قد يؤدي إلى نتيجة عكسية.

استعادة الودائع شرط لبناء الثقة

تربط الوثيقة بين نجاح البرنامج وبين الإصلاح المالي والمصرفي واستعادة أموال المودعين.

وبحسب النص، فإن بقاء عملية استرداد الودائع في إطار وعود غير قابلة للتنفيذ سيجعل استعادة ثقة اللبنانيين بالدولة أمراً أكثر صعوبة.

وتقترح الوثيقة أن تكون عملية استرداد الودائع جزءاً من مسار موثوق، ومكرساً بقانون، وخاضعاً لتدقيق دولي.

لبنان وإسرائيل.. تنمية متزامنة على الحدود

تطرح الوثيقة تصوراً لتنمية متزامنة في جنوب لبنان وشمال إسرائيل، انطلاقاً من أن المنطقتين عانتا على مدى عقود من تداعيات الصراع.

وتشير إلى تاريخ من الروابط الاقتصادية والتجارية والاجتماعية عبر الحدود قبل النزاع، وترى أن إطاراً للسلام قائماً على التنمية يمكن أن يعيد بناء علاقات اقتصادية مختلفة.

كما تستعرض الوثيقة أوضاع الجليل والفوارق الاقتصادية والاجتماعية في إسرائيل، في محاولة لربط الاستقرار الأمني بإطار اقتصادي وتنموي طويل الأمد.

كيف تريد الوثيقة مخاطبة الجمهور الأمريكي؟

تطرح الوثيقة حرباً مفتوحة مع إيران باعتبارها مساراً مرتفع الكلفة وغير واضح النتائج، وتقارن ذلك ببرنامج لبناني بقيمة 40 مليار دولار.

ووفق تصور الوثيقة، يمكن للولايات المتحدة أن تقدم البرنامج باعتباره نموذجاً لإعادة بناء دولة بدلاً من تدمير دولة، وربطه بنتائج دبلوماسية وأمنية يمكن تقديمها للرأي العام الأمريكي.

كما ترى أن نجاح النموذج اللبناني، وفق أصحاب التصور، قد تكون له انعكاسات على ساحات إقليمية أخرى، خصوصاً العراق.

من لبنان إلى العراق وإيران

تربط الوثيقة بين حزب الله في لبنان وشبكات النفوذ الإيراني في المنطقة، وتفترض أن تراجع دور الحزب يمكن أن يؤثر في بنية النفوذ الإيراني الأوسع.

وتقارن الوثيقة ذلك بسقوط دول أوروبا الشرقية بين عامي 1989 و1991، وتستخدم هذا المثال لبناء تصور يقوم على أن تراجع بعض حلقات النفوذ الإقليمي قد يضعف المركز تدريجياً.

لكن هذا يبقى تحليلاً وتقديراً وارداً في الوثيقة، وليس نتيجة مثبتة أو سياسة أمريكية معلنة.

إعادة الإعمار بالتوازي مع الضغط على إيران

تقترح الوثيقة الجمع بين إعادة الإعمار والضغوط على إيران، بما يشمل العقوبات والردع والعزلة الدبلوماسية، مع توفير بديل عبر مؤسسات الدولة اللبنانية.

وتعتبر أن الضغط وحده قد لا يكون كافياً إذا لم يترافق مع توفير الخدمات وإعادة الإعمار، بينما يمكن لإعادة الإعمار من دون إجراءات ضغط أن تمنح القوى المسلحة فرصة لإعادة تنظيم نفسها.

وبذلك تقوم المقاربة المقترحة على مسارين متوازيين: حوافز إيجابية عبر إعادة بناء الدولة، وضغوط قانونية ومالية وأمنية على حزب الله.

توصيات ضد الجهاز العسكري والأمني لحزب الله

يتضمن النص مساراً موازياً من الإجراءات القانونية والمالية والاستخباراتية ضد ما يصفه بالجهاز العسكري والأمني لحزب الله.

ومن بين الإجراءات الواردة في الوثيقة:

  • ملاحقات قضائية محلية ودولية مرتبطة بالعقوبات وغسل الأموال والاتجار بالمخدرات.
  • عقوبات مركزة على مؤسسة القرض الحسن وشبكات التمويل المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
  • حظر السفر وتجميد الأصول وإجراءات عبر الإنتربول بحق أشخاص مصنفين.
  • تعزيز الرقابة على العمليات المالية غير المرخصة ودعم قدرات مصرف لبنان ووحدة الاستخبارات المالية.
  • دعم استخباراتي لاعتراض تدفقات الأسلحة وتعطيل الشبكات المالية.

وتقول الوثيقة إن هذا المسار يفترض أن يعمل بالتوازي مع إعادة الإعمار، لا أن يحل محلها.

دور الشيعة والاغتراب في البرنامج

تولي الوثيقة أهمية للوصول إلى البيئات الشيعية خارج جنوب لبنان، بما في ذلك البقاع والضاحية والمجتمعات الحضرية، إضافة إلى شبكات الاغتراب اللبناني في غرب أفريقيا والخليج وأمريكا الجنوبية وأوروبا.

وتربط الوثيقة بين استعادة أموال المودعين وبين بناء حوافز اقتصادية مباشرة، معتبرة أن نجاح هذا المسار قد يؤثر في موقف شرائح اجتماعية واسعة.

كما تدعو إلى توزيع منافع إعادة الإعمار خارج الجنوب، بحيث تشمل البقاع والضاحية ومناطق أخرى، وتؤكد أن تقديم البرنامج باعتباره مشروعاً خاصاً بمنطقة واحدة قد يضعف شرعيته الوطنية.

هل الوثيقة سياسة أمريكية رسمية؟

من المهم التمييز بين الوثيقة المنشورة وبين السياسة الأمريكية الرسمية.

النص المتداول يقدم مقترحات وتصورات منسوبة إلى مجلس الأمن القومي، لكن نشرها لا يعني تلقائياً أن الإدارة الأمريكية تبنت جميع ما ورد فيها أو أقرتها كسياسة تنفيذية.

كما أن صحيفة «الأخبار» نفسها قدمت الوثيقة باعتبارها جزءاً من أوراق أُعدت داخل دوائر القرار، مع الإشارة إلى وجود وثائق مختلفة بدرجات سرية وتداول متعددة حول الملف اللبناني.

تكشف الوثيقة المنشورة عن تصور أمريكي مقترح يتعامل مع لبنان باعتباره ساحة يمكن من خلالها الجمع بين إعادة بناء الدولة والضغط على حزب الله وإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية.

ويحتل مبلغ 40 مليار دولار موقعاً مركزياً في هذا التصور، ليس باعتباره تمويلاً للإعمار فقط، بل كجزء من مشروع أوسع يشمل مؤسسات الدولة والجيش والمودعين والحوكمة والتنمية.

وفي المقابل، تقترح الوثيقة مساراً موازياً من العقوبات والإجراءات المالية والقضائية والاستخباراتية ضد الجهاز العسكري والأمني لحزب الله.

ويبقى السؤال الأساسي الذي تطرحه الوثيقة نفسها مرتبطاً بقدرة أي برنامج من هذا النوع على التنفيذ، وبمدى قدرة الدولة اللبنانية على تحويل التمويل والإشراف الدولي إلى مؤسسات وخدمات فعلية، بعيداً عن الفساد والانقسام السياسي والطائفي.


شاركها.