على بالي

صجيفة الأخبار” بقلم أسعد أبو خليل

 

يتناول أسعد أبو خليل في مقاله في صحيفة «الأخبار» حالة الإرباك التي يرى أنها تحيط بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في ظل الحرب مع إيران، والضغوط السياسية والاقتصادية التي تواجه إدارته قبل الانتخابات النصفية. ويركز الكاتب على التباينات التي بدأت تظهر داخل الحزب الجمهوري، وعلى محاولة ترامب الموازنة بين الرغبة في إنهاء الحرب والحفاظ على مواقفه العلنية تجاه إيران وإسرائيل. كما يتوقف عند خطاب ترامب في الأمم المتحدة، ويستعيد الجدل التاريخي حول العبارة المنسوبة إلى الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف بشأن «دفن الغرب»، معتبراً أن استخدامها إعلامياً شكّل مثالاً على توظيف الدعاية السياسية. ويخلص المقال إلى أن مسار الحرب يزداد تعقيداً في ظل رفض إيران الاستسلام أو التراجع، مقابل حاجة ترامب إلى إنهاء الحرب وعدم امتلاكه، وفق قراءة الكاتب، مساراً واضحاً لتحقيق ذلك.

قراءة المقال:

يركز أبو خليل في بداية مقاله على ما يصفه بحالة «الضياع» التي يعيشها ترامب، رابطاً ذلك بالحرب ضد إيران والاستحقاقات الانتخابية الأميركية. ويشير إلى أن استطلاعات الرأي تميل، بحسب عرضه، إلى احتمال سيطرة الحزب الديموقراطي على مجلس النواب، فيما تبقى السيطرة على مجلس الشيوخ أكثر صعوبة.

ويربط الكاتب بين الحسابات الانتخابية والضغوط الاقتصادية، ولا سيما تصاعد الشكاوى الشعبية من أسعار الغذاء والمحروقات، إضافة إلى ظهور مرشحين جمهوريين بدأوا، وفق المقال، بالابتعاد في مواقفهم عن سياسة ترامب تجاه الحرب على إيران.

ويشير أبو خليل إلى أن هذا التباعد داخل الحزب الجمهوري يحمل دلالات، خصوصاً أنه يأتي في وقت لم يكن فيه الجمهوريون، بحسب وصفه، يجرؤون سابقاً على رسم مسافة واضحة عن ترامب. ويرى أن الرئيس الأميركي يتعامل مع هذا التمرّد الداخلي بمرونة، لأنه يريد التركيز على الانتخابات وتأجيل الحسابات الأخرى.

ويتوقف المقال عند خطاب ترامب في الأمم المتحدة، وما حمله من تهديدات لإيران، قبل أن ينتقل إلى مقارنة تاريخية مع الجدل الذي رافق مقولة «سنقبركم» المنسوبة إلى خروتشوف. ويشرح أبو خليل أن خروتشوف لم يطلق هذه العبارة في خطاب أمام الأمم المتحدة، بل تحدث في موسكو عام 1956 أمام دبلوماسيين غربيين، معتبراً أن الإعلام الغربي أساء ترجمة كلامه واستخدمه في سياق دعائي ضد الاتحاد السوفياتي.

انتقاد ترامب لنتنياهو في السر، مقابل الإشادة به علناً
انتقاد ترامب لنتنياهو في السر، مقابل الإشادة به علناً

وفي الجزء الأبرز من المقال، يناقش أبو خليل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، ويرى أن ترامب قد يحمل رئيس الوزراء الإسرائيلي مسؤولية جزء من أزماته في ولايته الثانية، لكنه لا يوجه إليه انتقادات علنية. ويعرض الكاتب مفارقة تتمثل في انتقاد ترامب لنتنياهو في السر، مقابل الإشادة به علناً.

ويخلص أبو خليل إلى أن ترامب يريد إنهاء الحرب، لكنه لا يمتلك، وفق قراءته، طريقاً واضحاً لتحقيق هذا الهدف، فيما أصبحت إيران أقل استعداداً لما يسميه الكاتب «الصبر الاستراتيجي»، بينما لا يبدو الاستسلام أو التراجع خياراً مطروحاً لديها.

ترامب في حالة ضياع.
ترامب في حالة ضياع.

ترامب في حالة ضياع. يعلم أنّ عليه إنهاء الحرب، وأنّه خاضع لجدول زمني صارم مرتبطٌ بالانتخابات النصفيّة، واستطلاعات الرأي باتت تميل لصالح سيطرة الحزب الديموقراطي على مجلس النوّاب (انقلاب مجلس الشيوخ لصالح الحزب الديموقراطي يبقى أصعب لكنّه ممكن). الشكاوى الشعبيّة حول أسعار الغذاء والمحروقات تتفاقم، وبعض المرشّحين الجمهوريّين يفصلون في مواقفهم عن الحرب ضدّ إيران بينهم وبين مواقف ترامب، وهذه سابقة ذات دلالات.

 

لم يكن أيّ جمهوري يجرؤ على رسم مسافة بينه وبين ترامب مخافةَ إغضاب الرئيس. لكنّ ترامب نفسه يتعامل، على غير عادة، مع حركة التمرّد الهادئة في حزبه بلِين شديد. هو يريد أن يربح الانتخابات وساعة الحساب تأتي لاحقاً. يُلقي خطاباً في الأمم المتّحدة لم يسبق أن ألقاه رئيس مِن قبل. هذه التهديدات بإفناء أمّة لم ترِد مِن قبل. قد يتذكّر قارئ خطاباً لخروتشوف وفيه تهديد للغرب بـ»سنقبركم». هذه كانت في عناوين «النهار» والإعلام المُمَوَّل من الغرب في الستينيّات. لكنّ الحادثة غير صحيحة.

 

لم يُلقِ خروتشوف خطاباً في الأمم المتحدة هدَّد فيه «بقبر الغرب». هو ألقى خطاباً في موسكو في ١٩٥٦ أمام جمْع من الديبلوماسيّين الغربيّين. لكنّ إعلام البروباغندا الغربيّة أساء ترجمة الخطاب وشوّهه لتأليب الرأي العام العالمي. خروتشوف كان يتحدّث عن النظريّة الماركسيّة في انتصار الشيوعيّة وإشارته كانت عن أفول الرأسماليّة. لكنّ البروباغندا الأميركيّة كانت ناشطة جدّاً آنذاك مثلما هي ناشطة اليوم ضدّ إيران وأعداء إسرائيل. ترامب يهدّد إيران بالإفناء ويسمح لفريقه التفاوضي بلقاء الوفد الإيراني للوصول إلى اتّفاق شامل.

 

لو كتب ترامب مذكّراته سيُلقي باللّوم على مصائبه في ولايته الثانية على كاهل نتانياهو، وكيف أنّه خدعه بوعود عن إسقاط سريع للنظام الإيراني كما جرى في فنزويلا. لكنّ ترامب (لأسباب تبقى مجهولة) لا يجرؤ على لَوم نتانياهو في العلن. هو، مثل سابقيه، يشتم نتانياهو في السرّ ويُثني عليه في العلن. ترامب يحتاج إلى إنهاء هذه الحرب لكنّه لا يعرف كيف. الذي يعقِّد الموضوع أنّ إيران تخلّت عن الصبر الاستراتيجي، والاستسلام أو التراجع غير واردَين.

شاركها.