بقلم: عصام الحلبي
مركز بيروت للأخبار (BNC) – مقال رأي وتحليل سياسي

انتخابات إسرائيل بين تغيير الحكومة وإعادة تسويق السياسات
قد لا تكون انتخابات إسرائيل 2026 مجرد انتخابات عادية لتحديد هوية الحكومة المقبلة، بل ربما تشكل محطة لإعادة ترتيب المشهد السياسي الإسرائيلي، ومحاولة للخروج من الأزمة التي تعيشها إسرائيل، سواء على مستوى صورتها أمام العالم أو في قدرتها على إقناع حلفائها بأن سياساتها الأمنية والعسكرية يمكن أن تحقق الاستقرار.
فالسؤال لا يتعلق فقط بمن سيصل إلى رئاسة الحكومة، بنيامين نتنياهو أم منافسه غادي آيزنكوت، بل بما إذا كانت إسرائيل تتجه فعلًا نحو تغيير في سياساتها، أم أنها تحاول تغيير صورتها أمام العالم مع الإبقاء على النهج نفسه.
ومن هنا، فإن النظر إلى هذه الانتخابات باعتبارها منافسة بين حكومة ومعارضة لا يكفي لفهم ما يجري. فالخلاف بين نتنياهو وخصومه لا يعني بالضرورة وجود مشروعين مختلفين في القضايا الأساسية، وخصوصًا ما يتعلق بالأمن الإسرائيلي والحرب والعدوان على الفلسطينيين والتعامل مع إيران ومستقبل التسوية السياسية في المنطقة.
قد تكون هناك خلافات حقيقية بين الطرفين حول إدارة الحكم والفساد والعلاقة بين الدين والدولة، لكن ذلك لا يعني أن المعارضة تحمل بالضرورة مشروعًا مختلفًا جذريًا في التعامل مع الفلسطينيين وقضايا المنطقة.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق التوقف عنده: هل يكفي تغيير رئيس الحكومة حتى تتغير السياسات التي أوصلت المنطقة إلى هذا المستوى من الصراع؟ وهل يمكن للانتخابات، التي يفترض أن تمنح المجتمع فرصة لمراجعة خياراته، أن تتحول إلى وسيلة لتجديد شرعية السياسات نفسها، ولكن بوجوه جديدة وخطاب أكثر قبولًا لدى العالم؟
إن النظر إلى طبيعة الخلافات داخل إسرائيل، وإلى ما تطرحه المعارضة من بدائل، يكفي لطرح الشكوك حول حدود التغيير الممكن. فالتغيير في القيادة لا يعني بالضرورة تغييرًا في النهج السياسي والعسكري، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالقضايا التي تعتبرها إسرائيل جزءًا من أمنها الاستراتيجي.
نتنياهو قد يخسر الأغلبية لكنه لا يخسر أوراقه

نتائج الانتخابات الإسرائيلية وتعقيدات تشكيل الحكومة
أظهرت النتائج الأولية للانتخابات، وفق ما نشرته وسائل إعلام إسرائيلية ودولية في 28 و29 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تقدم معسكر نتنياهو على منافسيه، من دون أن يتمكن من تأمين الأغلبية البرلمانية اللازمة للحكم منفردًا.
وفي المقابل، لم يتمكن معسكر المعارضة من تأمين طريق واضح لتشكيل حكومة من دون الاستعانة بالأحزاب العربية، التي حققت تقدمًا لافتًا وأصبحت رقمًا مؤثرًا في الحسابات المتعلقة بتشكيل الائتلاف الحكومي.
وبذلك، لم تمنح الانتخابات أيًا من المعسكرين تفويضًا حاسمًا، وباتت البلاد أمام مفاوضات معقدة واحتمالات متعددة لتشكيل الحكومة المقبلة.
لكن المسألة لا تتوقف عند الأرقام والنتائج. فما تكشفه انتخابات إسرائيل 2026 هو أن الأزمة السياسية الإسرائيلية أعمق من مجرد الخلاف على اسم رئيس الحكومة.
فنتنياهو، رغم الإخفاقات الأمنية التي ارتبطت بعهده والانتقادات الداخلية الواسعة التي واجهها، لا يزال حاضرًا بقوة في المشهد السياسي، مستفيدًا من تماسك جزء من قاعدته الانتخابية، ومن انقسامات خصومه، ومن صعوبة تحويل رفضه إلى مشروع حكم بديل قادر على جمع أغلبية مستقرة.
كيف يستطيع نتنياهو البقاء في قلب المعادلة؟
وهذا يعني أن نتنياهو لا يحتاج بالضرورة إلى انتصار كبير حتى يبقى في قلب المعادلة. فقد تكون قدرته على منع خصومه من تشكيل حكومة مستقرة كافية لمنحه فرصة جديدة للبقاء في السلطة أو العودة إليها.
ففي الأنظمة البرلمانية التي تقوم على الائتلافات، لا تحسم الأصوات وحدها مصير الحكم، بل تلعب التحالفات دورًا أساسيًا، وكذلك قدرة الأحزاب على التفاهم وعقد الصفقات واستثمار الخلافات بين خصومها.
وفي إسرائيل، حيث يتألف الكنيست من 120 عضوًا، ترتبط القدرة على تشكيل حكومة بالحصول على دعم برلماني كافٍ، وليس بمجرد تصدّر حزب واحد نتائج الاقتراع.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن نتنياهو سيتمكن من تشكيل الحكومة المقبلة. فالمعارضة لا تزال تملك خيارات، والأحزاب العربية باتت تمتلك وزنًا برلمانيًا يصعب تجاهله، كما أن المفاوضات قد تحمل مفاجآت وتغير الحسابات التي أفرزتها صناديق الاقتراع.
لكن ما ينبغي التوقف عنده ليس اسم رئيس الحكومة المقبلة وحده، بل طبيعة التفاهمات التي ستقود إلى تشكيلها، وما إذا كانت ستفتح الباب أمام تغيير فعلي في السياسات الإسرائيلية، أم ستقتصر على إعادة توزيع المواقع والنفوذ داخل النظام السياسي نفسه.
المعارضة الإسرائيلية.. تغيير في القيادة أم في المشروع؟
هل تحمل المعارضة مشروعًا مختلفًا تجاه الفلسطينيين؟
تطرح المعارضة الإسرائيلية نفسها باعتبارها البديل القادر على إخراج البلاد من أزمتها، وإعادة بناء مؤسساتها، واستعادة ثقة المجتمع بها، ومعالجة الإخفاقات الأمنية التي برزت منذ هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
لكن هذه الوعود، مهما بدت مهمة للناخب الإسرائيلي، لا تجيب عن السؤال الأهم بالنسبة إلى الفلسطينيين والعرب: ماذا ستفعل هذه المعارضة إذا وصلت إلى الحكم؟
هل ستراجع سياسات الاحتلال والاستيطان؟ هل ستعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة؟ هل ستوقف الحروب وسياسات العقاب الجماعي، وتقبل بتسوية عادلة تستند إلى الحقوق والقانون الدولي؟
أم أن التغيير سيبقى محصورًا في تحسين إدارة الصراع، والتخفيف من كلفته السياسية والإعلامية، من دون الاقتراب من جذوره الحقيقية؟
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية في ضوء استمرار النقاش الدولي حول حقوق الشعب الفلسطيني والوضع القانوني للأراضي المحتلة أمام محكمة العدل الدولية، وهي ملفات لا يمكن اختزالها في المنافسة بين الأحزاب الإسرائيلية.
معارضة نتنياهو لا تعني بالضرورة تبنّي مشروع سلام
لا يمكن افتراض أن جميع أحزاب المعارضة تتبنى المواقف نفسها في هذه الملفات، لكن من الخطأ أيضًا اعتبار معارضة نتنياهو دليلًا كافيًا على وجود مشروع سلام مختلف.
فقد تختلف القوى المتنافسة على الحكم في طريقة إدارة الدولة، وفي توزيع الأعباء العسكرية، وفي العلاقة مع القضاء، وفي شكل الحكومة المقبلة، لكنها قد تلتقي عند كثير من المواقف المتعلقة بالأمن والاستراتيجية والتعامل مع الفلسطينيين.
وهنا تكمن إحدى المشكلات الأساسية. فقد تأتي قيادة جديدة وتنجح في إعادة تقديم إسرائيل أمام العالم، من دون أن تقدم تغييرًا حقيقيًا في سياساتها.
وعندها، يصبح رحيل نتنياهو في حد ذاته عنوانًا لمرحلة جديدة، حتى لو بقيت الوقائع على الأرض كما هي.
وقد يكون التغيير المطلوب إسرائيليًا، في هذه الحالة، تغييرًا في الخطاب أكثر منه تغييرًا في الممارسة، بحيث تتمكن الحكومة الجديدة من استعادة ثقة حلفائها، وفتح قنوات جديدة مع الدول التي تضررت علاقاتها بإسرائيل نتيجة الحروب والانتهاكات والدمار في غزة ولبنان.
تغيير الحكومة ليس بالضرورة تغييرًا للسياسات
وهنا لا بد من التمييز بين أمرين مختلفين.
الأول هو الرغبة في تغيير الحكومة الإسرائيلية، والثاني هو الاستعداد لتغيير السياسات التي دفعت المنطقة إلى هذا المستوى من الصراع.
قد يتحقق الأول عبر الانتخابات، أما الثاني فلا تثبته التصريحات ولا الوجوه الجديدة، بل ما ستفعله الحكومة على الأرض.
ومن هنا، فإن انتخابات إسرائيل 2026 لا يمكن أن تكون وحدها معيارًا للحكم على مستقبل العلاقات الإقليمية أو احتمالات الوصول إلى تسوية سياسية عادلة.
الحرب على إيران.. هل يصبح الخطر الخارجي وسيلة لترتيب الداخل؟
الانتخابات الإسرائيلية في ظل المواجهة مع إيران
لا يمكن قراءة الانتخابات الإسرائيلية بمعزل عن الوضع الإقليمي، ولا عن المواجهة مع إيران، أو الدور الأميركي في تحديد مسارات التصعيد والتهدئة في المنطقة.
فالمسائل الأمنية تحتل موقعًا أساسيًا في السياسة الإسرائيلية، وأي تطور إقليمي كبير يمكن أن يغير أولويات الداخل ويعيد ترتيب الحسابات بين الأحزاب.
وعندما يصبح الحديث عن تهديد خارجي وجودي هو العنوان الأبرز، تتراجع ملفات أخرى إلى الخلف، من المحاسبة السياسية إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وصولًا إلى مسؤولية القيادة عن الإخفاقات السابقة.
ومن هنا، يبرز سؤال مهم: هل يمكن أن تتحول المواجهة مع إيران إلى عامل يجمع أجزاء من المشهد السياسي الإسرائيلي، حتى لو اختلفت هذه الأطراف على هوية رئيس الحكومة؟
هل تتحول التهديدات الخارجية إلى وسيلة لتأجيل المحاسبة؟
هذا الاحتمال لا يعني أن الحرب مقررة سلفًا، ولا أن الانتخابات جرت بهدف توفير غطاء لها.
لكنه يستند إلى واقع سياسي معروف، وهو أن التهديدات الخارجية قد تتحول إلى وسيلة لتبرير استمرار السياسات الأمنية، وتأجيل المحاسبة الداخلية، ومنح القيادة السياسية مساحة أوسع لاتخاذ قرارات عسكرية تحت عنوان حماية الدولة.
وقد تكون أي حكومة يشكلها نتنياهو، إذا تمكن من ذلك، أكثر هشاشة من حكومته السابقة، بسبب التوازنات البرلمانية والضغوط الداخلية والخارجية.
لكن هشاشة الحكومة لا تعني بالضرورة أنها ستكون أقل قدرة على اتخاذ قرارات خطيرة.
ففي بعض الحالات، قد تدفع الضغوط السياسية القيادة إلى التشدد، بحثًا عن إنجاز أمني يعيد إليها شعبيتها أو يضع خصومها أمام خيار الاصطفاف خلفها في مواجهة ما يوصف بالخطر الخارجي.
هل يصبح التصعيد العسكري مخرجًا من الأزمة الداخلية؟
ومن هنا، لا يمكن استبعاد أن يتحول التصعيد العسكري إلى وسيلة لتجاوز الانقسام الداخلي، أو أن تجد القيادة السياسية في المواجهة الخارجية فرصة لإعادة تقديم نفسها باعتبارها قيادة قوية، بعدما اهتزت الثقة بها نتيجة الإخفاقات السابقة.
لكن هذا الاحتمال ليس حتميًا.
فالحرب قد تؤدي إلى نتائج معاكسة، وتكشف ضعف القيادة بدلًا من تعزيزها، وتزيد الانقسامات الداخلية، وترفع الكلفة الاقتصادية والعسكرية، وتدفع المجتمع الإسرائيلي إلى طرح أسئلة جديدة حول جدوى المغامرات العسكرية ونتائجها.
لذلك، لا يقتصر السؤال على ما إذا كانت إسرائيل ستشن حربًا على إيران، بل يتعلق أيضًا بمن سيحدد توقيتها وأهدافها، ومن سيستفيد منها سياسيًا، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستدعمها أم ستسعى إلى احتوائها، وما إذا كان الطرفان قادرين على التحكم في مسار المواجهة ونتائجها.
ومن الخطأ التعامل مع الحرب باعتبارها نتيجة محسومة للانتخابات.
فالتصعيد العسكري تحكمه حسابات كثيرة، وقد تقود التهديدات المتبادلة إلى مواجهة مفتوحة، أو تتحول إلى وسيلة للضغط تنتهي بتسوية مؤقتة.
وفي الحالتين، ستجد المنطقة نفسها أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب المصالح وموازين القوى.

التطبيع.. حين يصبح الأمل بالسلام وسيلة لتأجيل السلام الحقيقي
هل يعيد رحيل نتنياهو فتح أبواب التطبيع العربي؟
هناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو الطريقة التي قد يتعامل بها العالم العربي مع نتائج الانتخابات الإسرائيلية.
فمجرد وصول قيادة جديدة إلى الحكم، أو حتى احتمال رحيل نتنياهو، قد يعيد إحياء الآمال بعودة المسار السياسي واستئناف الاتصالات وتنشيط اتفاقات التطبيع، وفي مقدمتها الاتفاقات الإبراهيمية.
وقد ترى بعض العواصم العربية في التغيير السياسي الإسرائيلي فرصة لإعادة فتح الأبواب التي أغلقتها الحروب أو أدت إلى تباطؤ العلاقات، وللترويج لفكرة أن إسرائيل دخلت مرحلة جديدة يمكن البناء عليها.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الأمل إلى بديل عن المطالب الحقيقية، ويصبح تغيير رئيس الحكومة مبررًا لتخفيف الضغط السياسي والدبلوماسي على إسرائيل، قبل أن تقدم أي التزام واضح بإنهاء الاحتلال أو وقف الاستيطان أو ضمان الحقوق الفلسطينية.

الفخ السياسي بين استئناف العلاقات وتحقيق السلام
هنا قد يقع العالم العربي في فخ سياسي، ليس بالضرورة نتيجة خدعة مدبرة، بل بسبب الخلط بين تغير الظروف وتغير المواقف، وبين فتح باب جديد للحوار ووجود إرادة حقيقية لإنهاء الصراع.
فالتطبيع لا يعني السلام بالضرورة، وإقامة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية لا تعني أن أسباب النزاع قد عولجت.
وقد تتوسع العلاقات التجارية والاستثمارات والتعاون الأمني، بينما يبقى الفلسطينيون تحت الاحتلال، وتستمر المستوطنات في التوسع، وتظل الدولة الفلسطينية المستقلة بعيدة عن التحقق.
والمفارقة أن إسرائيل قد تحقق مكاسب سياسية واقتصادية وإقليمية من استعادة علاقاتها العربية، حتى لو لم تقدم تنازلات جوهرية للفلسطينيين.
فعودة هذه العلاقات قد تساعدها على تخفيف عزلتها الدولية، وإعادة تقديم نفسها باعتبارها دولة طبيعية في المنطقة، في وقت لا تزال فيه أسباب الصراع قائمة.
الفلسطينيون أمام خطر الوعود المؤجلة
أما الفلسطينيون، فقد يجدون أنفسهم مرة أخرى أمام وعود مؤجلة، ويُطلب منهم انتظار الظروف المناسبة ونضوج المسار السياسي، فيما تتغير الوقائع على الأرض وتتوسع المستوطنات، وتصبح العودة إلى ما كان عليه الوضع أكثر صعوبة.
لهذا، فإن الاختبار الحقيقي لأي حكومة إسرائيلية جديدة لا ينبغي أن يكون مدى استعدادها لاستئناف الحوار مع الدول العربية، بل ما ستقدمه فعليًا لإنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، واحترام الحقوق الوطنية الفلسطينية، ووضع حد لسياسات القوة التي جعلت السلام شعارًا يتكرر في البيانات والتصريحات من دون أن يجد طريقه إلى الواقع.
ويمكن النظر إلى موقف محكمة العدل الدولية بشأن الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة باعتباره أحد المراجع القانونية المهمة في تقييم أي تحول سياسي، بعيدًا عن الاكتفاء بالإعلانات الدبلوماسية.

الفخ الأكبر.. أن يتغير المشهد ويبقى الواقع
هل تستطيع إسرائيل تحسين صورتها من دون تغيير سياساتها؟
ما يستحق الانتباه في انتخابات إسرائيل 2026 ليس فقط احتمال عودة نتنياهو إلى الحكم، أو وصول آيزنكوت أو غيره من قادة المعارضة، بل احتمال أن تنجح إسرائيل في تحويل أزمتها الداخلية إلى فرصة لتحسين صورتها الخارجية، من دون أن تغير شيئًا جوهريًا في سياساتها.
قد يبقى نتنياهو في السلطة، وقد تنجح المعارضة في تشكيل حكومة، وقد تجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى الذهاب نحو انتخابات جديدة.
لكن أيًا من هذه الاحتمالات لا يكفي وحده للحكم على مستقبل الصراع.
فالمعيار الحقيقي هو ما إذا كانت الحكومة المقبلة ستراجع سياسات الاحتلال والحرب، أم ستكتفي بإعادة تقديمها بلغة أكثر قبولًا لدى المجتمع الدولي.

هل يتحمل نتنياهو وحده مسؤولية الأزمة؟
إذا كان نتنياهو قد أصبح عبئًا على صورة إسرائيل في بعض العواصم، فإن رحيله قد يمنحها فرصة لتقديم نفسها بصورة مختلفة.
وإذا بقي في الحكم، فقد تحاول بعض الأطراف تحميله وحده مسؤولية الأزمة، وكأن المشكلة تكمن في شخصه، لا في السياسات التي أنتجت الاحتلال والاستيطان والحروب.
وفي الحالتين، تكمن الخطورة في اختزال القضية كلها باسم رئيس الحكومة.
فهذا الاختزال قد يسمح للنظام السياسي الإسرائيلي بتجنب مساءلة أعمق تتعلق بطبيعة السياسات التي يتبعها تجاه الفلسطينيين والمنطقة، وكأن تغيير شخص واحد كفيل بفتح صفحة جديدة مهما كانت الوقائع على الأرض.

كيف ينبغي أن يتعامل العالم العربي مع التغيير الإسرائيلي؟
من هنا، فإن التعامل العربي مع احتمال التغيير في إسرائيل يحتاج إلى الحذر والواقعية.
وليس المطلوب رفض كل فرصة سياسية، أو إغلاق الباب أمام أي تحول يمكن أن يفتح الطريق نحو تسوية عادلة، بل المطلوب ألا تتحول الآمال إلى تنازلات مجانية، وألا يُمنح أي رئيس حكومة جديد رصيدًا سياسيًا قبل أن يثبت، بالأفعال لا بالأقوال، أنه مستعد لتغيير المسار.
لا ينبغي أن نخاف من تغيير الحكومة الإسرائيلية، بل من أن نُخدع بمعنى هذا التغيير.
فالديمقراطية لا تُقاس فقط بوجود صناديق اقتراع وتنافس بين الأحزاب، بل أيضًا بقدرة الانتخابات على تغيير السياسات، وبمدى احترام الدولة لحقوق الآخرين والقانون الدولي.
ومهما بلغ التنافس الانتخابي، فإنه لا يمنح أي حكومة تفويضًا مفتوحًا لفرض الوقائع بالقوة، ولا يعفيها من مسؤولياتها تجاه الشعوب التي تدفع ثمن قراراتها.
والعالم العربي ليس مضطرًا إلى انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية حتى يحدد مصالحه ومواقفه.
فمن حقه أن يتعامل مع أي حكومة وفق سياساتها الفعلية، وأن يربط أي تقدم في العلاقات بخطوات واضحة يمكن التحقق منها، بدلًا من الاكتفاء بوعود عن مرحلة جديدة قد لا تأتي.

السلام الحقيقي لا يبدأ بتغيير الوجوه
فالسلام الحقيقي لا يتحقق بتغيير الوجوه، ولا بإعادة تسويق السياسات القديمة، ولا باستخدام الخوف من الحرب لتبرير تنازلات جديدة.
السلام يبدأ عندما تصبح حقوق الفلسطينيين جزءًا أساسيًا من أي تسوية، وعندما تتوقف إسرائيل عن التعامل مع الأمن باعتباره حقًا حصريًا لها، فيما يُترك الفلسطينيون والعرب لدفع أثمان القرارات العسكرية والسياسية الإسرائيلية.
في النهاية، قد تكون انتخابات إسرائيل 2026 بداية لتغيير حقيقي، وقد تكون مجرد محطة أخرى في أزمة طويلة.
لكن الخطأ الأكبر سيكون في التعامل مع نتائجها باعتبارها إعلانًا عن ولادة إسرائيل جديدة، قبل أن نرى ما إذا كانت مستعدة فعلًا لتغيير سلوكها وسياساتها.
فليس كل تغيير في السلطة تغييرًا في المشروع، وليس كل حديث عن السلام طريقًا إليه.
وأحيانًا لا تكمن الخطورة في ما يظهر أمامنا، بل في ما قد نغفل عن اختباره خلف الشعارات والوعود.
اقرأوا المزيد في مركز بيروت للأخبار: https://beirutnewscenter.com/?p=1226108&src=wa
