كتب محرر سياسي
لا يختلف اثنان على حدة الفقر والجوع في طرابلس. حالة مزمنة في حياة المدينة منذ نشأة الكيان منذ أن عصيت على الانخراط في الانفصال عن محيطه، فعاقبها صانعوه، وظلت معاقبة مع كل التقلبات، والتحولات التي حدثت في الوطن الصغير.
وما جرى في الأيام القليلة الماضية لا ينفصل عن الحالة العامة التي واجهتها المدينة، وهي استغلال ظروف الفقر، والتهميش، والتجهيل المتعمد، في مختلف المبادرات والمشاريع السياسية التي مر لبنان بها.
بالأمس القريب، جاءت التحركات الشبابية-على ضيق حجمها- تعيد صورة طرابلس المستغلة بفقرها للانخراط في مشاريع غامضة. لم يكن ممكنا الفصل بين ظهور هذه التحركات الآن، وتنصيب الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن، خصوصا أن تحركات الشارع، خصوصا الطرابلسي، ركدت نحو ستة اشهر.
لا نستطيع تجاهل حقيقة أن ركود الساحة ستة أشهر تم خلال الانتخابات الأميركية، كما لا نستطيع تجاهل عودتها مباشرة بعد انتهاء الانتخابات، وتنصيب بايدن. كأن ثمة من كان ينتظر بشغف انتهاء العملية الانتخابية لينقض على الشارع، محركا له من جديد على الوتيرة السابقة عينها، فكانت الأحداث العنيفة التي شهدتها طرابلس، وما ظهر فيها من تحضيرات مسبقة للتحريك بطابع متجدد عماده العنف، واستخدام السلاح الحي من قنابل وبواريد، عدا عن مئات قناني المولوتوف.
بايدن لم يضع كل استراتيجياته بعد، ولم ينتهِ من تركيب فريقه، لكن بعض اللبنانيين استعجلوا قرارات افترضوها قادمة مع بايدن، ولمسوا في إعلانه صهيونيته ما يحك جرب بعضهم، فأسرعوا يدفعون بعض الشباب المعاني لآلام التهميش، والتجهيل السلطوي، وزجه في الشارع توظيفا لمشاريع خاصة.
والبعض الآخر الوافد من صالونات الدفء، وجد مطية تمظهر على ظهور طلاب الثورة، فرفع رايتها، وعملت مجموعات منظمة منه على تحفيز التحرك، وظلت تحرض طوال الوقت على العودة إلى الحراك تحت شعار “ثورة” واهمة، حتى إذا جاءت تلك اللحظة التي أتيح فيها لهم التحرك، سرعان ما نزلوا إلى الشارع مشكلين حاضنة لمشاريع العنف، والقوة التي ظهرت على أيدي من وظفهم في الحراك، ممن يراهن واهما أن يكون بايدن في خدمته قبل بزوغ شمس اليوم التالي.
بتصور آخر، ربما يكون استعجال التحرك هو مجرد لفت نظر لآخرين أننا هنا، ومستعدون للنزول، والمشاركة. عرض توظيفي مسبق لطاقات مستمدة من تاريخ التحركات السياسية في المدينة منذ ستينات القرن الماضي.
ولا بد أن بين التحركات من آمن بأحقيتها، وانتظرها طويلا حيث لم يكن طرف واحد قادرا على العودة إليها من دون أن تترافد المجموعات والتيارات على شعار واحد، فنزل إلى الساحة التي باتت رمزا للثورة وهي ساحة “النور”، ومن هناك توزع كل طرف على تأدية أهدافه التي تراوحت بين رفع شعارات التغيير، ومحاربة الفساد، وصولا إلى العنف المسلح ضد السراي رمز السلطة، كمن يريد أن يقول أنه هو السلطة البديلة القادمة على أكتاف التغيير الأميركي.
وبما ان الحالة الطرابلسية بلغت مرحلة عالية من الشواذ والنفور، حيث تهالكت المدينة، واستنزفت اقتصاديا واجتماعيا، تحت وطأة لعب الأدوار الغريبة طوال مسار حياتها، لا بد من التوقف عند موقفين، موقف الحراك ومحركيه، وموقف السلطة عبر أجهزتها العسكرية والأمنية.
بالنسبة للحراك، والمحركين، فقد تنصلوا تكرار مما وقع من ممارسات خارجة عن إطار التعبير الحر الديمقراطي على ما ادعى أصحاب الحراك. وفي تحركات الأيام القليلة الماضية، أعلنوا نفس المواقف الرافضة للممارسات التي اتهموا فيها من أسموهم “المندسين”، و”الطابور الخامس” و”الطرف الثالث” في افتعال الممارسات غير المقبولة من احد.
في هذا الإطار، لا بد من ملاحظة أن أطراف التحرك في الشارع الذي انطلق في ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩، فشلت فشلا ذريعا في تشكيل قيادة موحدة له، وفي وضع إطار لتحركاتها تجعلها أكثر فاعلية، وأقل استغلالا، ومع اعتراف أطرافه بفشل تشكيل حالة موحدة تنظم صفوفهم، لكنهم أصروا على تحريك الشارع، والتحريض عليه، رغم إدراكهم عجزهم عن ضبطه، وتأطيره وفق خطة منتظمة ومدروسة. بمعنى آخر، اتخذ المحركون، من شخصيات وممثلي قوى، مواقف ترضي ذاتهم، وتلبي نزوعهم الأناني، وحبهم للظهور والتباهي، على أكتاف المهمشين الفقراء، وكثيرون منهم من الصادقين في تحركهم.
لعب محركو الشارع من شخصيات، وممثلي قوى، دور السلطة التي يتهمونها بالفساد، والاستغلال، فمارسوا ممارستها، وقدموا نموذجا فاشلا سلفا للبديل. الأحرى بهم أن يتنحوا جانبا، ولا أن يحرضوا على تحريك الشارع بما لا يستطيعون ضبطه، وترك المستغلين لمشاريعهم، دون أن يشكلوا لهم حوافز التحرك، وغطاء الخروج عن الأهداف السلمية التي أدعوها. إذ ذاك، لن يستطيع أصحاب المشاريع المشبوهة التحرك متماهين في حراك يدعي البراءة.
وبالنسبة للسلطة، فقد وقفت موقف المتفرج على التحرك الذي استهدف قواها العسكرية والأمنية منذ السابع عشر من تشرين الأول ٢٠١٩. والجميع يعرف أن موقف السلطة المركبة تركيبا طوائفيا معقدا، تراوح بين تأييد التحرك، والتشجيع عليه، وبين “التطنيش” عنه، وتركه يتفاعل كيفما أراد، بلوغا لمشروع تفكك الدولة التي شاءها الغرب الامبريالي لضرب الحاضنة اللبنانية الرسمية للمقاومة، وكل ذلك تواطؤا مع الرغبة الاميركية، وانخراطا فيها، من جهة، أو الإذعان لها خوفا على منصب، وتحوطا من حجز ثروة بالدولار، من جهة ثانية.
في الحراك الأخير، كان حريا بالسلطة استمرار إقفال ساحة “النور”، كما في الأشهر الستة الماضية، وهي كانت قادرة على ذلك، تأكيدا على براءتها. لكنها لم تفعل.







