بيروت – ألبير خوري
تقول الأسطورة أن نمرود ملك بلاد بابل، كان أول من مارس السحر بإيعاز من إبليس. ادعى الألوهية. طغى وبغى، استكبر وتجبّر حتى سقط أخيراً ميتاً من برجه العالي.
ربما الأسطورة تتكرر ولو بصورة مصغّرة على أيدي “نمروداتنا” اللبنانيين. لم أجد في اللغة العربية جمعاً لنمرود أفضل من “نمرودات” على نسق لوردات الإمبراطورية البريطانية التي كما يروى “لم تغب عنها الشمس”.. مع فارق كبير، ان اللورد الإنكليزي لا يتقاضى صاحبه أي مقابل مادي كان أم معنوي، يعلن لمن يشرّف بلاده سياسياً واقتصاياً وأمنياً، أو لمن يبدع جديداً في العلوم والثقافة والفن وأعمال الخير. في حين أن “نمروداتنا” يتقاسمون الثروات.. ينهبون المال العام. يتوزعون أحزاباً وطوائف ومذاهب. ينصّبون أنفسهم رؤساء وزعماء وقيادات ونواباً ووزراء، لقاء أجور مغرية يتقاضونها من الداخل والخارج، فضلاً عن امتيازات يتوارثها الأبناء عن الآباء، مما يجعل الوطن أسير سياسات جامدة، تدفعه عهداً تلو آخر، للصعود الى الهاوية.
تلك هي الصورة المأساوية للبنان و”نمروداته” حتى السابع عشر من تشرين الأول الماضي، حين انتفض اللبنانيون معاً ضد “نمروداتهم” السياسية والمالية والطائفية والعشائرية والقبلية، في محاولة جادة وشجاعة قاربت حد المقامرة لدى البعض، والمقامرة لدى البعض الآخر، للقبض على السلطة واسترجاع الأموال المنهوبة ومحاسبة الفاسدين العابثين بمطالب الغالبية الساحقة من المواطنين.
هي حركة استقلالية ثانية، إنما هذه المرة في مواجهة رأسمالية داخلية شرسة ومتوحشة… وهي انتفاضة حقيقية ضدّ ن توّجوا أنفسهم “نمرودات” لبنان بلا حسيب أو رقيب لثلاثين سنة مضت، وحين شعروا بانقلاب سحرهم على الساحر، زادوا بغياً وطغياناً، فتحوّلت الانتفاضة الى ثورة عارمة يعرف أصحابها وجهتهم، لكنهم يجهلون بالتأكيد مصيرهم في شوارع باتت مشرّعة لكل أشكال المفاجآت وأحجامها.
رفع الشارع لاءاته بالحرف العريض والصوت الهادر. عرفت الساحات ثوارها من كل المناطق والمواقف السياسية والانتماءات الطائفية. في المقابل، امتلكت السلطة الحاكمة ترف الوقت، أو المداهنة في الوقت الضائع. راهنت على انقسام الشارع. نجحت مرة وسقطت مرات. استمزجت آراء الكتل السياسية بحثاً عن رئيس حكومة مغامرن وعلى كامل الاستعداد لالتقاط كرة النار بين يديه. كرة حرقت العديد من الأسماء، الى أن ارتضاها الدكتور حسان دياب، أغراه المنصب والدخول في نادي رؤساء الحكومات، فكان القبول سهلاً في بعبدا وعين التينة وساحة النجمة والضاحية الجنوبية، لكن مستحيل في الشوارع والساحات، فقراء وأغنياء تشاركوا في الثورة. لقمة العيش واحدة والغلاء المستفحل يأكلها قبل أن تصل الأفواه الجائعة. الكهرباء عقدة بلا حل، وقد استلزمت ثلاثة أرباع ديون لبنان، ذهبت هدراً الى جيوب أصحاب السلطة وحلفائها. حتى النفايات تحوّلت الى مناجم ذهب لدى الأسياد والمتسلطين، والسلطة القضائية أسيرة لنظام المحاصصة، وبحيث يعاقب الآلاف بالسجن والاعتقال لتقاعسهم عند دفع غرامة سير أو إيجار كوخ لا يصلح مأوى للماعز والكلاب، في حين يبرأ كبار “النمرودات” من نهب أموالهم، أكان في المصارف “المافياوية” أم جراء الضرائب الباهظة التي فرضتها السلطة على الفقراء وأصحاب الدخل المحدود بطريقة مباشرة أم عشوائية.
في زحمة هذه التحديات والاصطدامات بين الشارع والسلطة، تستمر البلاد رهن تجاذبات عدة. الكباش يقوى يوماً بعد آخر، والأحداث المتتالية والمتنامية تؤشر الى أزمة طويلة، وطويلة جداً، ما لم تتراجع السلطة عن رهاناتها ومكابرتها وعجرفتها، وهي المدركة تماماً، أن الشارع صاحب الغالبية الشعبية وصاحب السلطة الأول وفق الدستور، سيبقى مصرّاً على مواقفه وشروطه حتى تحقيق مطالبه ولو كان بـ”القطارة” وبالتالي إسقاط “نمروداته” من بروجهم العالية.