قانون جديد لـ «ضبط» المؤثرين: قَمع الأصوات جارٍ على قدم وساق!
جريدة الأخبار: بقلم: غادة حداد
مع الحديث عن قانون لتنظيم عمل المؤثرين، والخوف من إعادة رسم حدود الإعلام بما يتلاءم مع واقع سياسي جديد، يعود السؤال نفسه: هل يستخدم القانون لحماية حرية التعبير أم لقمع الإعلام والأصوات المعارضة؟
مع الحديث عن قانون لتنظيم عمل المؤثرين، والخوف من إعادة رسم حدود الإعلام بما يتلاءم مع واقع سياسي جديد، يعود السؤال نفسه: هل يستخدم القانون لحماية حرية التعبير أم لقمع الإعلام والأصوات المعارضة؟ فالأنظمة القمعية تبدأ قبضتها بضبط البيئة المعلوماتية، عبر قوانين فضفاضة تجرّم «الأخبار الكاذبة» أو «تهديد الأمن القومي» أو «إهانة الدولة»
* «خد مفاتيح سجنك وياك واترك لي وطني/ وطني غير وطنك/ ومشي… قلت لنفسي/ ما خدمك إلا من سجنك»
(عبد الرحمن الأبنودي)
السجون أداة قمع تستخدمها السلطات، من الأكثر قمعاً إلى الأكثر ديمقراطية، بذريعة حماية النظام تارةً، أو حماية الوطن وأمنه تارةً أخرى. لكن من يدخل السجن؟ أفراد وُصموا بأفعال تؤذي الآخرين، فيوضعون في مبانٍ مهترئة تفتقد إلى الحد الأدنى من حقوق البشر، ويُتركون مع أفكارهم سنوات قبل أن يُعاد إطلاق سراحهم. ترافقهم الوصمة، وكأن المجتمع، في المقابل، معافى تماماً، وكأن هؤلاء هم «الشواذ» الذين ينبغي وضعهم في مكان بعيد كي لا يعكروا صفو المجتمعات المثالية.
ومن بين هؤلاء «المشاغبين» من يكتبون الكلمات أو يصورون مقاطع الفيديو. قد يعترضون على قرار وزاري، أو ينتقدون خطاب رئيس، أو يكشفون ملفاً لا تريد السلطة أن يظهر. وعوضاً عن منحهم حقهم في التعبير، يُدفع بهم إلى السجن، لأنهم، في نظر السلطة، سيعكرون حفلة الحياة وحبها.
هذا ما كان يحدث سابقاً في لبنان، وهذا ما قد يحدث قريباً مجدداً. يبدو أن كل طرف مستعد للقمع، لكن ما ينقصه هو السلطة. فقد بشّر وزير الإعلام بول مرقص بأن الوزارة بصدد إعداد قانون خاص بالمؤثرين، لضبط ما يتم نشره. في الظاهر، يبدو المقترح منطقياً، تنظيم فضاء إعلامي جديد بات يضم آلاف المؤثرين وصنّاع المحتوى. لكن من ينظر إلى ما أُقرّ في قانون الإعلام الجديد، يمكنه أن يخشى أن يأتي القانون الجديد حلقة إضافية في سلسلة القبض على ما تبقى من حرية التعبير في لبنان.
إقفال سابق لوسائل إعلامية
في صباح 15 كانون الثاني (يناير) 1997 أغلقت السلطة اللبنانية قناة «نيو تي في». يومها، كانت حكومة رفيق الحريري تريد «ضبط» الإعلام بعد الحرب، وقررت توزيع تراخيص البث على عدد محدود جداً من المحطات، معظمها محسوب على أركان السلطة. وكانت «نيو تي في» الاستثناء، بسبب موقفها المعارض للسلطة. سلطت القناة الضوء على ملفات فساد وانتقدت الحريري، كما هاجمت رموز «النظام الأمني اللبناني – السوري» المقربين من دمشق، مثل غازي كنعان والأجهزة اللبنانية التابعة له. ولم تعد القناة إلى البث إلا عام 2001، بعدما كسبت معركتها القضائية.
وفي العام التالي، أُغلقت قناة «إم تي في» بتهمة مخالفة المادة 68 من قانون البث المرئي والمسموع، المتعلقة بـ«المس بالعلاقات مع دولة شقيقة»، إضافة إلى الترويج الانتخابي غير القانوني والتحريض الطائفي خلال الانتخابات الفرعية في المتن. ولم تعد القناة إلى البث حتى عام 2009، في ظل الرفض السياسي والأمني من قبل النظام الأمني.
الصحافة انتزعت حقها
شكّل عام 1994 محطة أساسية في معركة حرية الإعلام في لبنان، ولا سيما لناحية إلغاء «التوقيف الاحتياطي» للصحافيين، الذي استخدمه النظام الأمني لإسكات الأصوات المعارضة للوجود السوري في لبنان أو التي تكشف ملفات فساد الحكومة.
لم يكن أمام أي مسؤول سياسي أو أمني الكثير من الخطوات لإسكات صحافي. كان يكفي تقديم شكوى بـ«القدح والذم» أو «تعكير صلات بالدول الصديقة»، ليصدر المدعي العام أمراً بتوقيف الصحافي إدارياً واحتياطياً «على ذمة التحقيق».
وبعدما طال الاحتجاز عدداً من الصحافيين، وصل الصدام بين الجسم الإعلامي والسلطة إلى نقطة الانفجار في قضية ملاحقة جريدة «السفير» ورئيس تحريرها الراحل طلال سلمان، بعد نشر الصحيفة وثيقة سرية للمقترحات الإسرائيلية المقدمة في مفاوضات واشنطن، فتحركت الحكومة قضائياً وقررت تعطيل الجريدة وملاحقة سلمان بتهمة «إفشاء أسرار الدولة».
من يطّلع على قانون الإعلام الجديد، يخشى أن يكون قانون المؤثرين تكملة لتقييد حرية التعبير في لبنان
قوبل قرار الملاحقة بتضامن بين الصحف اللبنانية، التي وحّدت مانشيتاتها وخطابها ضد «إرهاب الدولة». كما قادت نقابتا الصحافة والمحررين معركة في وجه السلطة، مهددتين بحجب الصحف اللبنانية بالكامل وإبقاء الأكشاك فارغة لتعرية السلطة أمام المجتمع الدولي، ورافضتين مثول الصحافيين أمام المحققين الأمنيين والضباط، ومصرتين على أن القضاء المدني ومحكمة المطبوعات هما المرجع الوحيد.
وأفضى هذا الضغط إلى انتزاع نصر تشريعي، عبر إلغاء المادة التي تمنح الحق في احتجاز الإعلاميين قبل صدور حكم مبرم، بموجب القانون الرقم 330. كما مُنع التوقيف الاحتياطي في جميع جرائم المطبوعات، وشمل المنع حتى الحالات الاستثنائية، مثل إعلان «حالة الطوارئ» أو الأحكام العرفية في البلاد. وقيّد التعديل صلاحية الحكومة في تعطيل أو سحب تراخيص المطبوعات بقرار إداري محض، محولاً الصلاحية كاملة إلى القضاء.
إعلام على مقاس كل نظام
ما قامت به حكومة رفيق الحريري بعد سنوات الحرب يشبه، في جانب منه، ما تقوم به حكومة نواف سلام اليوم، عبر إعادة تشكيل شكل الإعلام وحدود حريته بما يتلاءم مع واقع سياسي جديد.
لكن الخطورة لا تكمن فقط في قانون ينظم عمل المؤثرين أو في تعديلات على قانون الإعلام. الخطر الحقيقي هو أن يعاد بناء نظام أمني جديد، يُقمع خلاله الصحافيون أو يسجنون لأنهم تعرضوا لرئيس دولة أخرى، أو انتقدوا مسؤولاً، أو نشروا خطاباً لا ينسجم مع الرواية الرسمية.
بعدما تغنّى لبنان بحريته، وبكونه ملجأً للمثقفين والمبدعين والكتاب، قد يجد نفسه أقرب إلى الأنظمة العربية القمعية التي لا تلاحق فقط الجريمة، بل تلاحق كل خطاب لا يلائم «الزعيم».
فالأنظمة القمعية لا تؤسس قبضتها الأمنية بالسجن وحده. تبدأ قبل ذلك بقمع الإعلام وضبط البيئة المعلوماتية بأكملها، عبر فرض قيود على ما يمكن نشره وما لا يمكن نشره. وقد يأخذ ذلك أشكالاً مختلفة، من منع مواضيع، وحذف مقالات، وحجب مواقع إلكترونية، وإقفال صحف، وفرض رقابة على الكتب، أو اشتراط موافقة حكومية مسبقة على بعض المواد.
وتستخدم السلطة القانون لتعزيز قبضتها، عبر نصوص فضفاضة قابلة للتأويل والتحايل، مثل «نشر الأخبار الكاذبة»، أو «تهديد الأمن القومي»، أو «إهانة الدولة»، أو «التطرف»، أو «كشف أسرار الدولة». وحين تصبح هذه العبارات أبواباً مفتوحة أمام السلطة، لا يعود السؤال: من ارتكب جريمة؟ بل: من قال شيئاً لم يعجب السلطة؟
«إحنا الصوت… ساعة ما تحبوا الدنيا سكوت». قالها الشاعر المصري الراحل عبد الرحمن الأبنودي في قصيدة «إحنا ولاد الكلب الشعب». الصوت هو جوهر المعركة. فالسلطة تستطيع أن تغلق قناة، وتحجب موقعاً، وتقفل صحيفة، وتمنع مقالاً، وتستدعي صحافياً وتسجنه. لكنها لا تستطيع أن تضمن أن الصمت الذي فرضته سيستمر بعد خروج السجين، أو بعد رحيله. فمفاتيح السجن قد تكون في يد السلطة، لكن الصوت يبقى خارج الزنزانة.
