لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تُقاس بعدد الضربات الجوية أو حجم التصريحات السياسية، بل أصبحت اختباراً مفتوحاً لإعادة رسم معادلات الردع في الشرق الأوسط، وسط تداخل غير مسبوق بين الحسابات العسكرية والسياسية والدبلوماسية. فالحشد العسكري الأمريكي المتواصل، يقابله تمسك إيراني بعقيدة تقوم على إدارة الصراع طويل الأمد، فيما تراقب روسيا والصين المشهد باعتباره جزءًا من المنافسة على شكل النظام الدولي، وليس مجرد أزمة إقليمية عابرة.
ومن هذا المنطلق، لم يعد السؤال الأساسي يتمثل في قدرة أي من الطرفين على توجيه ضربات عسكرية، بل في قدرة كل منهما على فرض قواعد اشتباك جديدة، وتحقيق أهدافه السياسية والاستراتيجية من دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
أولًا: الاستراتيجية الأمريكية… من الردع إلى فرض الوقائع
أولًا: الاستراتيجية الأمريكية… من الردع إلى فرض الوقائع
تشير التعزيزات العسكرية الأمريكية الأخيرة إلى أن واشنطن لا تتعامل مع المواجهة بوصفها ردًا ظرفيًا على تطورات ميدانية، بل كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة تثبيت ميزان الردع في المنطقة.
فاستمرار إرسال حاملات الطائرات، والقاذفات الإستراتيجية، وأنظمة الدفاع الجوي، والقطع البحرية، يعكس أن القيادة الأمريكية لا ترى أن الضربات السابقة حققت كامل أهدافها العسكرية والسياسية، وإلا لما استمر هذا المستوى من الحشد بعد انتهاء العمليات الأولى.
وتذهب تقديرات صادرة عن RAND Corporation وCenter for Strategic and International Studies (CSIS) إلى أن الحشد العسكري الأمريكي لا يهدف فقط إلى الاستعداد لعمليات هجومية جديدة، بل أيضاً إلى توجيه رسالة ردع تمنع إيران من استغلال أي فراغ عملياتي، وتطمئن في الوقت نفسه الحلفاء الإقليميين بأن واشنطن ما زالت قادرة على فرض حضورها العسكري.
كما أن هذا الانتشار يمنح صانع القرار الأمريكي هامشاً أوسع للمناورة، سواء عبر مواصلة الضغط العسكري، أو الانتقال سريعاً إلى خيارات هجومية إذا استدعت التطورات ذلك، أو استخدام هذا الحشد كورقة ضغط في أي مسار تفاوضي مستقبلي.
ثانيا: لماذا خفت الضربات الإيرانية؟
القوات الأمريكية كانت تتقوع ضربات أكثر فتكًأ بناء على تصريحات المسؤولين العسكريين الإيرانيين وعلى الأهداف التي ضربتها واشنطن
منذ دخول التفاهمات الأخيرة حيز التنفيذ، لاحظ المراقبون انخفاضاً ملحوظاً في وتيرة الضربات الإيرانية مقارنة بالمراحل السابقة، وهو ما دفع بعض وسائل الإعلام الغربية إلى اعتبار ذلك مؤشراً على تراجع القدرة العسكرية الإيرانية.
إلا أن القراءة العسكرية تبدو أكثر تعقيداً.
فوفقاً لتقديرات مراكز أبحاث أمريكية، تقوم العقيدة العسكرية الإيرانية على مبدأ إدارة الاستنزاف، وليس خوض مواجهة تقوم على استنفاد القدرات في مراحلها الأولى.
وتعتمد طهران منذ عقود على توزيع القوة على مراحل، مع الحفاظ على جزء من قدراتها الصاروخية و العملياتية لاستخدامه عند الضرورة، بما يضمن استمرار الردع إذا طال أمد المواجهة أو اتسعت رقعتها.
كما تشير دراسات صينية إلى أن القيادة الإيرانية تنظر إلى الصواريخ والطائرات المسيّرة بوصفها أدوات ردع استراتيجية، وليست مجرد وسائل لتحقيق مكاسب تكتيكية آنية، وهو ما يجعل توقيت استخدامها وحجمه جزءًا من الحسابات السياسية والعسكرية معًا.
أما تقديرات روسية، فتعتبر أن انخفاض وتيرة الضربات قد يعكس مرحلة إعادة تموضع، وإعادة توزيع منصات الإطلاق، وإعادة تقييم بنك الأهداف، أكثر مما يعكس تراجعًا في القدرة على مواصلة القتال.
ثالثًا: لماذا لم تستهدف إيران القوات الأمريكية مباشرة؟
ثالثًا: لماذا لم تستهدف إيران القوات الأمريكية مباشرة؟
رغم أن الضربات الأمريكية طالت منشآت عسكرية ونووية داخل إيران، فإن طهران تجنبت حتى الآن استهداف حاملات الطائرات أو القطع البحرية الأمريكية بصورة مباشرة.
ويفسر خبراء عسكريون هذا السلوك بأنه يرتبط بحسابات التصعيد أكثر من ارتباطه بالقدرة العسكرية.
ففي العقيدة الأمريكية، يُنظر إلى استهداف قطعة بحرية رئيسية باعتباره مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وهو ما قد يفتح الباب أمام حرب واسعة تستخدم فيها واشنطن كامل قدراتها العسكرية.
لذلك، يبدو أن إيران تحاول الحفاظ على معادلة دقيقة تقوم على رفع كلفة المواجهة على خصومها، دون الوصول إلى مستوى يجعل الحرب الشاملة خيارًا لا يمكن تجنبه.
كما أن استمرار وجود قنوات اتصال غير مباشرة بين طهران وواشنطن يجعل توسيع دائرة الاشتباك مخاطرة قد تؤدي إلى إغلاق المسار السياسي بالكامل، وهو ما لا تبدو أي من العاصمتين مستعدة له في المرحلة الحالية.
رابعًا: هل لا تزال إيران تحتفظ بأوراق لم تستخدمها؟
صواريخ إيرانية خرجت للعلن، لكن غالبية مراكز الدراسات لا تعلم شيئاً عم يخفيه الإيرانيون
رغم الضربات التي تعرضت لها، لا توجد مؤشرات استخباراتية معلنة تؤكد أن إيران استنفدت قدراتها العسكرية.
بل تشير تقييمات صادرة عن مؤسسات أمريكية إلى أن البرنامج الصاروخي الإيراني بُني على مبدأ اللامركزية، والاعتماد على منصات إطلاق متحركة، ومنشآت تحت الأرض، وشبكات أنفاق واسعة، بما يجعل القضاء على كامل هذه المنظومة عبر حملة جوية أمرًا بالغ الصعوبة.
كما أن العقيدة الإيرانية تفترض منذ سنوات احتمال الدخول في حرب طويلة مع قوة تمتلك تفوقًا جويًا، ولذلك صُممت بنيتها العسكرية على أساس الاحتفاظ بجزء من القدرات خارج الاستخدام المبكر.
وفي هذا السياق، تواصل طهران إطلاق تصريحات تتحدث عن قدرتها على استهداف المصالح الأمريكية إذا توسعت الحرب.
غير أن غالبية الخبراء الأمريكيين يميزون بين القدرة على تهديد المصالح الأمريكية المنتشرة عالميًا، وبين امتلاك قدرة مثبتة على تنفيذ ضربات مباشرة ضد المدن الأمريكية من الأراضي الإيرانية، وهي قدرة لا توجد بشأنها أدلة علنية تؤكد امتلاكها حتى الآن.
في المقابل، تعتمد إيران على مفهوم “الرد متعدد المسارات”، الذي يقوم على استخدام أدوات مختلفة تشمل القواعد العسكرية، والممرات البحرية، والحرب السيبرانية، والبنية التحتية للطاقة، إلى جانب شبكة الحلفاء الإقليميين، بما يوسع خيارات الرد دون الاعتماد على مسار عملياتي واحد.
خامسا: روسيا والصين… دعم محسوب ومنع للحسم الأمريكي
خامسا: روسيا والصين… دعم محسوب ومنع للحسم الأمريكي
رغم التقارب السياسي والاستراتيجي بين موسكو وطهران، وكذلك بين بكين وطهران، فإن احتمال تدخل روسيا أو الصين عسكريًا بصورة مباشرة يبقى ضعيفًا، لأن أي اشتباك مباشر مع الولايات المتحدة قد يفتح الباب أمام مواجهة بين قوى نووية.
لكن هذا لا يعني الوقوف على الحياد.
فالتقديرات الأمريكية والروسية والصينية تتقاطع عند أن موسكو وبكين تسعيان إلى منع الولايات المتحدة من تحقيق انتصار استراتيجي حاسم، دون الانخراط في الحرب بصورة مباشرة.
وتنظر موسكو إلى انشغال واشنطن في الشرق الأوسط باعتباره عاملًا يخفف الضغط عنها في الساحة الأوروبية، بينما ترى بكين أن استقرار الخليج يمثل مصلحة اقتصادية مباشرة ترتبط بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
لذلك، يرجح أن يستمر الدعم غير المباشر عبر تبادل المعلومات، والتعاون التقني، وتوسيع العلاقات الاقتصادية، والتحرك الدبلوماسي داخل الأمم المتحدة، ومجموعة “بريكس”، ومنظمة شنغهاي للتعاون، مع الحرص على البقاء دون العتبة التي قد تؤدي إلى صدام مباشر مع الولايات المتحدة.
سادسا: السيناريوهات المحتملة
حرس الثورة .. عين على الميدان ويد على الزناد
في ضوء المعطيات الحالية، يمكن حصر مسارات الأزمة في أربعة سيناريوهات رئيسية.
السيناريو الأول: استمرار حرب الاستنزاف
ويُعد الأكثر ترجيحًا، حيث تستمر الضربات المحدودة والعمليات المتقطعة، مع تجنب الطرفين الوصول إلى مواجهة شاملة، في إطار محاولة استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية والسياسية للطرف الآخر.
السيناريو الثاني: تنفيذ إيران ردًا واسعًا يعيد رسم قواعد الاشتباك
قد تلجأ طهران إلى تنفيذ عملية نوعية إذا رأت أن ميزان الردع تعرض لاختلال كبير، أو إذا تعرضت منشآت سيادية أو قيادات عليا لضربة جديدة، بهدف فرض معادلة ردع جديدة دون الذهاب بالضرورة إلى حرب مفتوحة.
السيناريو الثالث: العودة إلى المفاوضات
يبقى هذا السيناريو قائمًا إذا وصلت واشنطن وطهران إلى قناعة بأن كلفة استمرار المواجهة أصبحت أعلى من المكاسب المتوقعة، بما يسمح بإحياء المسار الدبلوماسي بعد مرحلة من الضغط العسكري المتبادل.
السيناريو الرابع: توسع الحرب إلى مواجهة إقليمية
وهو السيناريو الأكثر خطورة، إذ يعني انخراط جبهات متعددة، واتساع العمليات البحرية والجوية، وتهديد أمن الطاقة وحركة التجارة العالمية، بما ينعكس على الاقتصاد الدولي بأكمله.
وخلاصة القول:
تكشف التحركات العسكرية الأمريكية أن واشنطن لا تزال ترى ضرورة الإبقاء على مستوى مرتفع من الردع والجاهزية، وهو ما قد يعكس تقديرًا بأن الضربات السابقة لم تحقق جميع أهدافها العسكرية أو السياسية، أو أنها تسعى إلى منع إيران من استعادة زمام المبادرة.
وفي المقابل، لا توحي المؤشرات المتاحة بأن طهران تتصرف باعتبارها فقدت القدرة على الرد، بل تظهر أنها تواصل إدارة المواجهة وفق مبدأ الصبر الاستراتيجي، مع الاحتفاظ بخيارات تصعيدية متعددة يمكن اللجوء إليها إذا رأت أن الظروف الميدانية والسياسية أصبحت أكثر ملاءمة.
أما روسيا والصين، فتسعيان إلى منع تحول المواجهة إلى انتصار استراتيجي أمريكي يعزز الهيمنة الأحادية، لكنهما في الوقت ذاته تحرصان على تجنب أي انخراط عسكري مباشر قد ينقل الأزمة من نزاع إقليمي إلى صدام بين القوى الكبرى.
وبناءً على ذلك، فإن المرحلة المقبلة لن تُحسم بحجم الترسانات العسكرية وحدها، بل بقدرة كل طرف على إدارة ميزان الردع، وتحقيق أهدافه السياسية بأقل كلفة ممكنة، من دون الوصول إلى مواجهة إقليمية أو دولية يصعب احتواء تداعياتها.