تتصاعد أزمة الديزل في أوروبا مع تسجيل أسعار الوقود مستويات قياسية، وسط تحركات فرنسية لطرح كميات إضافية من المخزونات الاستراتيجية في محاولة لتهدئة الأسواق. وفي تطور لافت، يناقش الاتحاد الأوروبي مقترحاً لسحب 50 مليون برميل من الديزل، بالتوازي مع طرح 50 مليون برميل من النفط الخام من مخزونات الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية، فيما يبرز خلاف مع واشنطن حول احتمال فرض قيود على صادرات الديزل الأمريكية، بما قد يزيد الضغوط على أسواق الطاقة والتضخم.

أوروبا تناقش سحب 50 مليون برميل من الديزل

أوروبا تناقش سحب 50 مليون برميل من الديزل
أوروبا تناقش سحب 50 مليون برميل من الديزل

ناقشت حكومات دول الاتحاد الأوروبي، الجمعة، مقترحاً فرنسياً لسحب كميات إضافية من مخزونات الديزل، في محاولة لزيادة الإمدادات المتاحة في الأسواق والحد من الارتفاع المتواصل في الأسعار.

ويتضمن المقترح سحب 50 مليون برميل من الديزل من المخزونات الأوروبية، إلى جانب سحب 50 مليون برميل من النفط الخام من جانب الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية.

ويأتي هذا التحرك وسط ضغوط أمريكية على الدول الأوروبية لضخ مزيد من الإمدادات في الأسواق، في وقت تواجه فيه الحكومات صعوبة في احتواء أسعار الوقود المرتفعة وتداعياتها الاقتصادية.

لكن المقترح لا يزال قيد المناقشة، ولم يتحول إلى قرار نهائي بالسحب، وسط خلافات بشأن شروط تنفيذ الخطوة والضمانات المطلوبة لتجنب تفاقم أزمة الإمدادات.

شرط أوروبي لزيادة إمدادات الديزل

شرط أوروبي لزيادة إمدادات الديزل
شرط أوروبي لزيادة إمدادات الديزل

تتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف في مطالبة الدول الأوروبية بأن يترافق أي اتفاق على سحب كميات إضافية من مخزونات الديزل مع تعهد أمريكي بعدم فرض حظر أحادي الجانب على صادرات هذه المادة.

وتخشى العواصم الأوروبية أن يؤدي تقييد الصادرات الأمريكية إلى تقليص الكميات المتاحة في الأسواق العالمية، ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى ويزيد تكلفة الوقود المستخدم في النقل والزراعة والصناعة.

ويضع هذا الخلاف الطرفين أمام معادلة معقدة: زيادة المعروض لخفض الأسعار من جهة، والحفاظ على تدفق الإمدادات بين الأسواق وتجنب القيود التجارية من جهة أخرى.

ماكرون يتحرك.. ومجموعة السبع أمام اختبار جديد

ماكرون يتحرك.. ومجموعة السبع أمام اختبار جديد
ماكرون يتحرك.. ومجموعة السبع أمام اختبار جديد

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دول مجموعة السبع إلى تنسيق تحركاتها لمواجهة ارتفاع أسعار الوقود، مشدداً على ضرورة اتخاذ إجراءات مشتركة من دون فرض قيود على الصادرات.

وجاء موقف ماكرون عقب اتصال هاتفي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، فيما تواصل الرئيس الفرنسي أيضاً مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني.

وأعلن قصر الإليزيه أن ماكرون يعتزم الدعوة إلى اجتماع عبر الفيديو لقادة مجموعة السبع في أقرب وقت ممكن، بهدف تنسيق التدابير اللازمة للتعامل مع أزمة الطاقة.

وتعكس هذه التحركات اتساع نطاق الأزمة، إذ لم تعد المسألة مرتبطة بـ ارتفاع الأسعار فقط، بل أصبحت تتصل بكيفية توزيع الإمدادات بين الدول، وبمدى استعداد الحكومات للتنسيق بدلاً من اللجوء إلى إجراءات أحادية قد تنقل الأزمة من سوق إلى أخرى.

أسعار الديزل في أوروبا تسجل مستوى قياسياً

أسعار الديزل في أوروبا تسجل مستوى قياسياً
أسعار الديزل في أوروبا تسجل مستوى قياسياً

سجل متوسط سعر الديزل في محطات أوروبا 2.24 يورو للتر الواحد، أي ما يعادل نحو 2.52 دولار، وفق البيانات المنشورة يوم الخميس، بزيادة سنت واحد عن المستوى القياسي المسجل في الأسبوع السابق.

ويأتي هذا الارتفاع في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة ضغوطاً متزايدة على الإمدادات، ما يعزز المخاوف من انتقال ارتفاع تكاليف الوقود إلى قطاعات اقتصادية واسعة.

فالديزل ليس مجرد وقود للسيارات والشاحنات، بل يمثل عنصراً أساسياً في حركة النقل البري وسلاسل التوريد والعمليات الزراعية والصناعية. ولذلك، فإن ارتفاع أسعاره يرفع تكاليف نقل البضائع وتشغيل المعدات، وقد ينعكس لاحقاً على أسعار السلع والخدمات.

وتخشى الحكومات الأوروبية أن يؤدي استمرار ارتفاع الديزل إلى زيادة الضغوط التضخمية، خصوصاً إذا تزامن مع ارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج.

واشنطن تضغط على أوروبا لضخ مزيد من المخزونات

واشنطن تضغط على أوروبا لضخ مزيد من المخزونات
واشنطن تضغط على أوروبا لضخ مزيد من المخزونات

تطالب الإدارة الأمريكية الدول الأوروبية بتوفير إمدادات إضافية من احتياطاتها الاستراتيجية للمساعدة في تهدئة الأسواق.

ودعا وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الشركاء الأوروبيين إلى الإسراع في توفير كميات إضافية من الوقود، فيما اعتبر وزير الطاقة كريس رايت أن أوروبا تستطيع المساهمة في تخفيف الأزمة من خلال عملية منسقة لطرح كميات من المخزونات في الأسواق.

أما ترمب، فقد أبدى إلحاحاً أكبر بشأن هذه المسألة، مشيراً إلى إمكانية مطالبة الحلفاء الأوروبيين بالسحب من احتياطاتهم الاستراتيجية من الديزل.

وتسعى واشنطن إلى احتواء الارتفاع الحاد في أسعار الوقود داخل السوق الأمريكية، حيث بلغ سعر الديزل 6.53 دولارات للغالون في نهاية سبتمبر/أيلول، وفق بيانات جمعية السيارات الأمريكية.

ويشكل هذا الارتفاع ضغطاً على تكاليف المعيشة والنقل، كما يضع ملف أسعار الوقود في دائرة الاهتمام السياسي الأمريكي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

تحذيرات أوروبية من حظر صادرات الديزل الأمريكية

تحذيرات أوروبية من حظر صادرات الديزل الأمريكية
تحذيرات أوروبية من حظر صادرات الديزل الأمريكية

في المقابل، حذّر المفوض الأوروبي للتجارة ماروش شيفكوفيتش من أن فرض قيود أمريكية على صادرات الديزل قد يشكل ضربة للإمدادات الأوروبية، ولا سيما أن هذه المادة تستخدم على نطاق واسع في النقل والزراعة والأنشطة الصناعية.

ووصف شيفكوفيتش احتمال إعاقة صادرات الديزل بأنه تطور غير مرغوب فيه، محذراً من تداعيات اقتصادية خطيرة قد تطال أوروبا إذا تراجعت الإمدادات المتاحة.

ولم يؤكد المسؤول الأوروبي ما إذا كانت واشنطن قد وجهت تهديداً رسمياً بفرض الحظر، لكن الموقف الأوروبي يعكس القلق من أن تؤدي الإجراءات الأمريكية المحتملة إلى نقل الضغوط السعرية من السوق الأمريكية إلى الأسواق المستوردة.

في المقابل، أكد ممثل التجارة الأمريكي جاميسون غرير وجود رغبة لدى الجانبين في العمل معاً للتوصل إلى حل للأزمة.

ويتركز الخلاف حول الوسيلة التي يمكن أن تحقق خفضاً سريعاً للأسعار من دون الإضرار بأمن الطاقة أو تعطيل حركة التجارة الدولية.

لماذا تثير أزمة الديزل مخاوف من موجة تضخم جديدة؟

لماذا تثير أزمة الديزل مخاوف من موجة تضخم جديدة؟
لماذا تثير أزمة الديزل مخاوف من موجة تضخم جديدة؟

تنبع أهمية الديزل من ارتباطه المباشر بتكاليف الإنتاج والتوزيع. فالشاحنات التي تنقل المواد الغذائية والسلع الصناعية تعتمد عليه، كما تستخدمه الآلات الزراعية ومعدات البناء والعديد من المنشآت الاقتصادية.

وعندما ترتفع أسعاره، تتحمل الشركات تكاليف تشغيل إضافية، وقد تنقل جزءاً منها إلى المستهلكين عبر رفع أسعار المنتجات والخدمات.

أما سحب المخزونات الاستراتيجية، فقد يساهم في زيادة المعروض على المدى القصير، لكن أثره النهائي يتوقف على حجم الكميات المطروحة وسرعة وصولها إلى الأسواق واستمرار الاضطرابات التي تؤثر في الإمدادات.

وفي المقابل، فإن فرض قيود على صادرات الديزل الأمريكية قد يحد من الكميات المتاحة للمشترين الخارجيين، ما يزيد صعوبة تأمين الوقود في أوروبا ويعقّد جهود خفض الأسعار.

وبذلك، لا تقتصر الأزمة على قرار السحب من الاحتياطيات، بل تمتد إلى مستقبل تجارة الوقود ومدى قدرة الاقتصادات الكبرى على تنسيق سياساتها في مواجهة اضطرابات الإمدادات.

هل تنجح خطة سحب المخزونات في خفض الأسعار؟

هل تنجح خطة سحب المخزونات في خفض الأسعار؟
هل تنجح خطة سحب المخزونات في خفض الأسعار؟

تواجه الدول الأوروبية والولايات المتحدة اختباراً يتعلق بقدرتها على التوصل إلى اتفاق يوازن بين تخفيف الأسعار والحفاظ على أمن الطاقة.

فالمقترح الفرنسي لسحب 50 مليون برميل من الديزل، إلى جانب طرح 50 مليون برميل من النفط الخام عبر الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية، يمثل تحركاً واسع النطاق، لكنه لا يضمن وحده إنهاء الأزمة.

وتبقى النتائج مرتبطة بالقرارات النهائية للحكومات، ومدى التنسيق بين الدول المنتجة والمستهلكة، والتطورات التي تتحكم في تدفقات الوقود إلى الأسواق العالمية.

كما أن أي اتفاق لا يتناول مخاطر القيود على الصادرات قد يواجه صعوبات في التنفيذ، خصوصاً مع تمسك الأوروبيين بضرورة استمرار تدفق الوقود بين الأسواق.

تضع أزمة الديزل أوروبا والولايات المتحدة أمام مواجهة اقتصادية تتجاوز ارتفاع أسعار الوقود، لتشمل أمن الإمدادات والتجارة الدولية ومخاطر التضخم.

وبينما يدفع إيمانويل ماكرون نحو تحرك منسق داخل مجموعة السبع، يناقش الاتحاد الأوروبي مقترحاً لسحب 50 مليون برميل من الديزل، بالتزامن مع طرح كميات إضافية من النفط الخام من مخزونات الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية.

لكن الخلاف بشأن احتمال فرض حظر أمريكي على صادرات الديزل يهدد بتعقيد الجهود الرامية إلى تهدئة الأسواق، في وقت تواجه فيه أوروبا أسعاراً قياسية للوقود وتواجه الولايات المتحدة ضغوطاً متزايدة لاحتواء تكاليف الطاقة.

ويبقى السؤال الأساسي: هل تنجح الدول الكبرى في زيادة الإمدادات وتنسيق سياساتها، أم تتحول أزمة الديزل إلى عامل إضافي يرفع تكاليف المعيشة ويزيد الضغوط التضخمية على جانبي الأطلسي؟

شاركها.