عشية «يوم القدس»: المشروع الإيراني وفلسطين بين الإنجازات والتحدّيات
كتب د قاسم قصير في “الأخبار”:
عشية إحياء يوم القدس العالمي في الجمعة الأخير من شهر رمضان، لا بد من العودة إلى مناقشة المشروع الإيراني والقضية الفلسطينية، والهدف الأساس فتح باب النقاش حول الرؤية الإيرانية للقضية وما حقّقته إيران للمشروع الفلسطيني من إنجازات وما تواجهه اليوم من تحدّيات كبرى.
من أجل مواكبة المشروع الإيراني حول القضية الفلسطينية، يمكن استعراض المحطات التالية:
أولاً: قبل انتصار الثورة الإسلامية في شباط 1979، كانت إيران بقيادة الشاه محمد رضا بهلوي منحازة إلى المشروع الأميركي الإسرائيلي ولديها أوثق العلاقات مع الكيان الصهيوني، في حين كان الإمام الخميني، ومنذ بداية تحرّكه في عام 1963 ضد الشاه، يدعم القضية الفلسطينية ويندّد بالكيان الصهيوني وبدعم إيران لهذا الكيان.
ثانياً: في مرحلة النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي وخلال نضال الشعب الإيراني ضد الشاه، كنّا نشاهد في بيروت عشرات المناضلين الإيرانيين، سواء بالتعاون مع المنظمات الفلسطينية وخصوصاً حركة فتح أو في إطار حركة أمل بقيادة الإمام موسى الصدر. وكان هناك تعاون كبير بين الثورة الفلسطينية والثورة الإيرانية، ولعبت شخصيات لبنانية عديدة دوراً مهماً في تعزيز هذا التعاون والتواصل ولا مجال الآن لذكر كل الأسماء. وبدأنا نسمع في بيروت عن الإمام الخميني ودعمه للقضية الفلسطينية وفتواه الشهيرة بتقديم أموال الخمس والزكاة لدعم القضية الفلسطينية.
ثالثاً: عند انتصار الثورة وعودة الإمام الخميني إلى إيران، اتّخذ الإمام قراراً تاريخياً بإغلاق سفارة الكيان الصهيوني وتحويلها إلى سفارة فلسطين، وأوّل من زار إيران كان الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات (أبو عمار) على رأس وفد كبير. وشكّل انتصار الثورة تغيّراً استراتيجياً كبيراً في الصراع مع العدو الصهيوني، ولا سيما بعد خروج مصر من الصراع بعد اتفاقية كامب ديفيد في عام 1978. ومن أهم الشعارات التي رُفعت حينها: «اليوم إيران وغداً فلسطين». وأهم قرار اتّخذه الإمام الخميني، كان في شهر آب من عام 1979 بإعلان الجمعة الأخير من شهر رمضان المبارك «يوم القدس العالمي».
رابعاً: بسبب الدعم الكبير الذي قدّمته إيران للقضية الفلسطينية ومواجهتها للدور الأميركي في المنطقة واحتلال الطلاب الإيرانيين للسفارة الأميركية في طهران، تعرّضت إيران لمؤامرات عديدة لإسقاط النظام الإسلامي ومنها الهجوم الأميركي في صحراء طبس وإشعال الصراعات الداخلية وصولاً إلى الحرب العراقية والتي أدّت إلى صراعات قومية، عربية – إيرانية، وكذلك إثارة الفتنة المذهبية، وشُنّت حملات إعلامية كبيرة ضد إيران في العالم العربي تحت عناوين مذهبية وقومية.
تحدّيات كبرى تواجهها هذه القوى اليوم، وكل ذلك يتطلّب مراجعة شاملة لما حصل وتحديد نقاط القوّة ونقاط الضعف
خامساً: رغم التحدّيات التي كانت تواجهها إيران بسبب الأحداث الداخلية والحرب العراقية، فإنها في عام 1982، وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، أرسلت قوات من حرس الثورة الإسلامية إلى سوريا ولبنان من أجل تقديم كل أشكال الدعم للقوى اللبنانية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وهذا الدعم مهّد لاحقاً لإنشاء حزب الله. وكان الموقف الإيراني واضحاً في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. كما تشكّل في إيران مكتب لحركات المقاومة بالتعاون بين قيادات إيرانية وقيادات فلسطينية ولبنانية وعربية، ولاحقاً تحوّل كل هذا النشاط إلى نواة إنشاء «قوة القدس» في الحرس الثوري.
سادساً: في مرحلة الثمانينيات، ورغم بروز بعض الخلافات مع قيادة حركة فتح وأبو عمار، واصلت الثورة الإسلامية دعم الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، سواء عبر مسؤولين في فتح -ولا سيما أبو جهاد- أو عبر مجموعات «الكتيبة الطلابية»، وتجلّى ذلك أكثر في الانتفاضة عام 1987، وصولاً إلى انتفاضة الأقصى عام 2000، ورغم اعتراض إيران على اتفاق أوسلو في عام 1993. كما بدأت تقام علاقات بين المسؤولين الإيرانيين وقوى إسلامية فلسطينية، ولا سيما حركة الجهاد الإسلامي وحركة حماس، وصولاً إلى تشكيل مؤتمر دعم الانتفاضة والذي ضمّ قيادات فلسطينية ولبنانية وعربية متنوّعة وكان أحد أهم أهدافه دعم القضية الفلسطينية.
سابعاً: منذ قيام الثورة وإلى اليوم، قدّمت إيران كل أشكال الدعم لقوى المقاومة في لبنان وفلسطين، ولم يكن تقديم الدعم مرتبطاً بحسابات إقليمية أو بالملف النووي أو لتحقيق مصالح خاصة. ودفعت إيران أثماناً كبيرة بسبب هذا الدعم ولم يكن الملف النووي على الطاولة. وبرزت في إيران وجهات نظر مختلفة حول الدعم الإيراني لفلسطين والمقاومة، وكانت هناك اعتراضات من قبل بعض المجموعات الإيرانية على دعم المقاومة في لبنان وفلسطين، لكنّ الموقف الإيراني الرسمي، وخصوصاً موقف الإمام السيد علي خامنئي، كان حاسماً في هذا المجال. طبعاً دعم قوى المقاومة يعطي إيران حضوراً قوياً في المنطقة، لكن لم تكن هناك شروط إيرانية مسبقة لتقديم الدعم.
ثامناً: الموقف الإيراني الرسمي كان مع تحرير فلسطين كلها من النهر إلى البحر وقيام دولة فلسطينية مستقلة وإزالة الكيان الصهيوني، لكن لاحقاً تطور الموقف الإيراني إلى الدعوة لقيام دولة موحّدة تضم الفلسطينيين واليهود ويدعو لإقامة استفتاء شعبي وعودة اللاجئين الفلسطينيين. ورغم قبول إيران بحل الدولتين خلال المؤتمرات العربية والإسلامية، لكن ذلك لا يلغي الموقف المبدئي ضد الكيان الصهيوني.
تاسعاً: بعد الربيع العربي والأحداث في سوريا برزت بعض الخلافات بين إيران وحماس، لكن ذلك لم يمنع إيران من استمرار تقديم الدعم المالي واللوجستي للحركة. وتعزّز ذلك لاحقاً بعد التطورات في السنوات الأخيرة في فلسطين وصولاً إلى معركة «طوفان الأقصى». وبرزت الدعوات لقيام محور المقاومة، والذي يضم عدداً من حركات المقاومة، لكن لم يكن هناك تصور واضح حول طبيعة المحور رغم وجود آليات تعاون وتنسيق بين قوى المقاومة.
عاشراً: شكّلت معركة «طوفان الأقصى»، وصولاً إلى الحرب على لبنان، أحد أبرز التحديات التي واجهت إيران وقوى المقاومة، وبرزت إشكالات عديدة حول آليات التنسيق وحدود الدور الإيراني في المعركة. وطبعاً برزت ثغرات عديدة في أداء المقاومة، ولا سيما المقاومة الإسلامية في لبنان، وكل ذلك أدخل إيران والمنطقة وقوى المقاومة في مرحلة جديدة من الصراع، في ظل تحديات كبرى تواجهها هذه القوى اليوم، وكل ذلك يتطلب مراجعة شاملة لما حصل وتحديد نقاط القوة ونقاط الضعف.
وفي الخلاصة، ورغم استمرار دور المقاومة والدور الإيراني الداعم لها، فإن ما يجري اليوم من تحدّيات ومخاطر، من احتمال تعرّض إيران لهجوم كبير يستهدف النظام، وما يجري من أحداث في اليمن وفلسطين ولبنان وسوريا، والمخاطر الجديدة على صعيد تهجير الفلسطينيين، وتقسيم الدول العربية والإسلامية إلى دويلات مذهبية وطائفية، كل ذلك يتطلب إعادة تقييم للدور الإيراني في المنطقة وكيفية مواجهة مختلف التحدّيات والبحث عن صيغ جديدة لمواجهة المشروع الإسرائيلي-الأميركي الجديد والاستعداد لكل الاحتمالات المقبلة والمخاطر المتوقّعة في المرحلة الجديدة.
* كاتب لبناني