حلف مكة… دفاع عن الأمن أم إعادة ترتيب لأولويات العالم الإسلامي؟

بقلم :ريم سلمان

حلف مكة... دفاع عن الأمن أم إعادة ترتيب لأولويات العالم الإسلامي؟

تكتسب اتفاقية مكة للدفاع المشترك أهمية تتجاوز الدول الثلاث الموقعة عليها، ليس فقط بسبب الوزن السياسي والعسكري والاقتصادي للسعودية وتركيا وباكستان، وإنما لأن الاتفاق يطرح للمرة الأولى بصورة عملية سؤالًا أوسع حول شكل الأمن الذي يمكن أن يتبناه العالم الإسلامي في السنوات المقبلة: هل يبقى الأمن الجماعي مرتبطًا بحماية الدول وحدودها ومصالحها الوطنية، أم يمكن أن يتطور إلى إطار أوسع للمساهمة في خفض الحروب وحماية المدنيين ودفع الأطراف المتصارعة نحو التسويات؟
ليس السؤال ما إذا كانت السعودية تملك حق الدفاع عن أراضيها ومدنها ومنشآتها. فهذا حق ثابت للدول، ولا خلاف جديًا على مبدأ حماية المدنيين والمنشآت من الهجمات.

وليس السؤال أيضًا لماذا اختارت السعودية وتركيا وباكستان بناء إطار دفاعي مشترك. فمن الطبيعي أن تبحث الدول عن ترتيبات ترفع مستوى الردع وتحمي أمنها في منطقة أصبحت فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة والممرات البحرية جزءًا من معادلات الصراع.

السؤال الأكثر أهمية هو سؤال آخر:

ماذا يعني أن يتحول مفهوم الأمن الجماعي في العالم الإسلامي، للمرة الأولى بهذا الوضوح، إلى التزام دفاعي محدد بين ثلاث دول؟ وأين تقع القضايا الإسلامية الأخرى على سلّم الأولويات عندما يصبح بالإمكان الانتقال من الإعلان السياسي إلى التنفيذ العسكري بهذه السرعة؟

في 7 آب/أغسطس 2026، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، ونص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا، مع تعزيز التعاون الدفاعي والقدرات المشتركة. وهذا ما أكدته البيانات الرسمية السعودية والباكستانية.

وفي 31 آب/أغسطس، انتقلت الاتفاقية إلى مرحلة أكثر تنظيمًا، مع إنشاء إطار مؤسسي وأمانة عامة للحلف، والتأكيد رسميًا على دعم خفض التصعيد والحلول السلمية للأزمات، إلى جانب تطوير التعاون الدفاعي والصناعات العسكرية.

أما اليوم، 5 تشرين الأول/أكتوبر، فقد دخل الاتفاق مرحلة عملية أكثر وضوحًا. فقد أعلنت الدول الثلاث، بعد اجتماع طارئ في الرياض، تفعيل التزامات الدفاع الجماعي واتخاذ إجراءات لتوفير القدرات والقوات المتفق عليها ونشرها سريعًا في السعودية، كما عيّنت الفريق المتقاعد نعمان محمود من باكستان أول أمين عام للحلف لمدة ثلاث سنوات.

هنا تحديدًا يبدأ السؤال السياسي.

عندما يصبح الأمن الجماعي قابلًا للتنفيذ

البيان الرسمي للحلف واضح في تعريفه للمشكلة: أمن كل دولة عضو جزء لا يتجزأ من الأمن الجماعي للدول الثلاث.

هذا تعريف مفهوم من زاوية القانون الدولي والدفاع عن السيادة، بل إن الخارجية الباكستانية شددت عند توقيع الاتفاق على أن طبيعته دفاعية، وأنه لا يستهدف دولة بعينها، وأنه يستند إلى حق الدفاع الفردي والجماعي المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

لكن السياسة لا تُقرأ من النصوص وحدها؛ بل من الأولويات التي تكشفها لحظة التطبيق.

فإذا كان أمن ثلاث دول يمكن أن يتحول إلى منظومة ردع مشتركة، وقوات وقدرات عسكرية، وهيكل سياسي وأمانة عامة، فما الذي يمنع أن يصبح مفهوم «الأمن الجماعي» أوسع من الحدود الوطنية للدول الأعضاء؟

السؤال هنا ليس مطالبة الحلف بخوض حروب جديدة.

على العكس.

السؤال هو: هل يمكن أن تكون القوة التي تُبنى تحت عنوان الردع أداة لمنع الحروب أيضًا؟

هذا السؤال يكتسب أهميته من التزام الدول الثلاث نفسه، في بيان 31 آب، بدعم خفض التصعيد والتسويات السلمية للأزمات.

فلسطين… أين يبدأ الأمن الجماعي وأين ينتهي؟

من الصعب تجاهل فلسطين عند الحديث عن منظومة أمن تحمل اسم مكة، ليس لأن الاتفاقية تعهدت بالدفاع عن كل القضايا الإسلامية، بل لأن الخطاب السياسي المصاحب لها يستند بصورة واضحة إلى روابط الأخوة والتضامن الإسلامي.

وهنا يظهر سؤال مشروع:

هل يمكن أن يبقى التضامن الإسلامي مفهومًا سياسيًا عندما يتعلق الأمر بأمن الدول، بينما يتحول عند القضايا الأخرى إلى بيانات ومواقف دبلوماسية ومطالبات دولية؟

لا يتعلق الأمر بالمطالبة بإرسال جيوش إلى غزة، ولا بمقارنة حرب بأخرى بطريقة تختزل تعقيدات المنطقة.

المسألة أبسط من ذلك وأكثر صعوبة في الوقت نفسه:

لماذا يستطيع ثلاثة أطراف الانتقال من مفهوم التضامن إلى التزام دفاعي قابل للتنفيذ عندما يتعلق الأمر بأمن دولهم، بينما لا يزال الموقف الإسلامي الجماعي تجاه القضية الفلسطينية يعتمد بدرجة كبيرة على الأدوات السياسية والدبلوماسية؟

الأمم المتحدة نفسها واصلت خلال 2026 التحذير من استمرار الخطر على المدنيين في غزة ومن القيود المفروضة على المساعدات، فيما أكد تقرير أممي في أيلول/سبتمبر أن نحو ثلثي القطاع ما زال خاضعًا لقيود شديدة أو غير متاح للسكان، مع استمرار سقوط الضحايا وتدهور الوضع الإنساني.

وهنا لا يصبح السؤال: لماذا لا يخوض الحلف حربًا من أجل فلسطين؟

بل:

لماذا لا تتحول قدرته السياسية والاقتصادية والعسكرية إلى نفوذ جماعي أكثر فاعلية لوقف الحروب وحماية المدنيين ودفع الأطراف نحو تسوية سياسية؟

فهذا لا يتناقض بالضرورة مع الطبيعة الدفاعية للحلف؛ بل قد يكون الاختبار الأكثر جدية لفكرة «الأمن من أجل السلام» التي تحدثت عنها البيانات الرسمية.

واليمن… الاختبار الأكثر تعقيدًا

في اليمن تصبح الصورة أكثر حساسية.

فالتطورات العسكرية الأخيرة لا تجري في فراغ. ففي 5 تشرين الأول/أكتوبر، أفادت رويترز بأن القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية شنت هجومًا لاستعادة مناطق قريبة من باب المندب، بالتزامن مع ضربات جوية سعودية مكثفة. وأشارت الوكالة إلى أن القتال أدى إلى نزوح عشرات الآلاف وزاد من تعقيد الأزمة الإنسانية.

وقبل ذلك بأيام، تحدث برنامج الأغذية العالمي عن تفاقم الجوع في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية، بينما قالت الأمم المتحدة إن أكثر من 22 مليون شخص في اليمن سيحتاجون إلى مساعدات وحماية خلال عام 2026، بينهم 18.3 مليون شخص يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي.

هذه الأرقام تجعل اليمن أكثر من مجرد ساحة عسكرية في الحسابات الإقليمية.

إنه بلد يعيش أزمة إنسانية ممتدة، ويضم أطرافًا يمنية متعددة، وتدخلت في نزاعه قوى إقليمية ودولية، وأصبحت ممراته البحرية جزءًا من حسابات التجارة والطاقة والأمن الدولي.

لذلك فإن اختزال المسألة في صراع مذهبي بين السنة والشيعة لا يشرح اليمن، كما أن اختزالها في مواجهة بين السعودية والحوثيين لا يشرح كل تعقيداتها.

هناك صراع على السلطة، وانقسامات داخلية، وحسابات إقليمية، ومصالح بحرية واقتصادية، ومخاوف أمنية حقيقية لدى دول الجوار.

لكن يبقى السؤال:

هل يمكن أن يتحول الردع العسكري إلى وسيلة لفتح الطريق أمام تسوية سياسية، أم أن كل جولة عسكرية ستنتج جولة أخرى من التصعيد؟

هذا السؤال لا يتعلق بالسعودية وحدها، ولا بالحوثيين وحدهم، بل بكل القوى التي أصبحت جزءًا من المعادلة اليمنية.

هل معيار التضامن واحد للجميع؟

هناك مسألة أخرى تستحق التوقف عندها.

الحوثيون يعلنون موقفًا داعمًا للفلسطينيين ويقدمون عملياتهم الإقليمية ضمن هذا السياق، لكن ذلك لا يمنحهم تلقائيًا شرعية في استهداف المدنيين أو الدول أو المنشآت المدنية.

وبالمقابل، فإن رفض هجمات الحوثيين لا يلغي حق السؤال عن النتائج الإنسانية والسياسية للحرب في اليمن.

السياسة الجادة لا تعمل بمنطق «إما مع هذا الطرف أو ضده».

يمكن رفض استهداف المدنيين في السعودية، ورفض استهداف المدنيين في اليمن، والدفاع عن حق الفلسطينيين في الأمن والحرية، في الوقت نفسه.

بل إن هذا تحديدًا هو الاختبار الحقيقي لأي مشروع يتحدث عن أمن إقليمي أو تضامن إسلامي.

من أمن الدول إلى أمن الإنسان

المشكلة الأوسع في المنطقة ربما لا تكمن في إنشاء تحالف دفاعي بحد ذاته.

المشكلة تبدأ عندما يصبح الأمن مفهومًا خاصًا بالدول، بينما يبقى أمن الإنسان ملفًا ثانويًا.

أمن الدولة السعودية مفهوم وضروري.

أمن تركيا مفهوم وضروري.

أمن باكستان مفهوم وضروري.

لكن ماذا عن أمن الفلسطيني؟

وماذا عن أمن اليمني؟

وماذا عن ملايين المدنيين الذين يعيشون بين خطوط النار، أو يواجهون الجوع والنزوح وانهيار الخدمات؟

الأمم المتحدة تقدّر أن 18.3 مليون يمني يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي خلال 2026، فيما لا تزال الأزمة الفلسطينية تشهد قيودًا واسعة على الوصول الإنساني واستمرارًا للعنف ضد المدنيين.

وهنا يصبح مفهوم «الأمن الجماعي» بحاجة إلى تعريف أوسع.

ليس بالضرورة عبر تشكيل جيوش جديدة.

بل عبر بناء قدرة سياسية جماعية على منع الحرب قبل اندلاعها، وفتح قنوات التفاوض، والضغط من أجل حماية المدنيين، واستخدام الوزن الاقتصادي والدبلوماسي للدول الأعضاء في معالجة أسباب الصراع لا نتائجه فقط.

الاختبار الحقيقي لحلف مكة

لا يحتاج حلف مكة إلى إثبات أن لديه قدرة على الردع؛ فقد بدأت بالفعل عملية بناء هذه القدرة.

لكن أمامه اختبار سياسي أكبر.

فالدول الثلاث أعلنت أن الاتفاق يهدف إلى تعزيز السلام والأمن والاستقرار، وأكدت في اجتماعها الأول أن التعاون بينها يرتبط أيضًا بخفض التصعيد والحلول السلمية.

لذلك سيكون السؤال في المرحلة المقبلة:

هل يستطيع هذا الحلف استخدام قوته لمنع الحرب، وليس فقط للرد عليها؟

وهل يستطيع أن يوسّع معنى التضامن من حماية أراضي الدول الأعضاء إلى حماية الاستقرار الإقليمي؟

وهل يمكن أن يصبح الأمن الجماعي وسيلة لفتح أبواب التفاوض في اليمن، والضغط من أجل حماية المدنيين في فلسطين، ومنع توسع الحروب بدل الاكتفاء بإدارة نتائجها؟

هذه ليست أسئلة موجهة ضد السعودية أو تركيا أو باكستان، ولا تشكيكًا بحق الدول الثلاث في حماية أمنها.

إنها ببساطة أسئلة تفرضها التسمية نفسها.

فحين يحمل تحالف دفاعي اسم «مكة»، يصبح من الطبيعي أن يُسأل عن حدود مفهوم التضامن الذي يستند إليه.

وفي النهاية، ربما لا يكون الاختبار الحقيقي لحلف مكة في عدد القوات التي يستطيع نشرها، ولا في حجم القوة التي يستطيع جمعها.

الاختبار الأصعب هو أن يثبت أن الأمن الجماعي يمكن أن يكون طريقًا إلى خفض التصعيد، لا مجرد صيغة جديدة لإدارة الصراع.

فإذا استطاعت الدول الثلاث الجمع بين الردع والحوار، وبين حماية أمنها والدفع نحو تسويات إقليمية، فقد يكون الحلف بداية لنقاش أوسع حول مفهوم الأمن في العالم الإسلامي.

أما إذا بقي الأمن الجماعي محصورًا في حدود الدول الأعضاء، بينما تستمر الحروب والنزاعات الإنسانية خارج تلك الحدود، فسيبقى السؤال قائمًا:

هل نحن أمام مشروع لإعادة تعريف أمن العالم الإسلامي، أم أمام تحالف دفاعي محدود أعيد تقديمه بلغة التضامن الإسلامي؟

نبذه:

ريم سلمان:كاتبة وصحفية سورية من مواليد 11من نيسان 1998

حاصلة على بكالوريوس بالقانون الدولي والعلوم السياسية

شاركها.