بقلم: اللواء حسن شقير-  المدير العام للأمن العام

مع بداية فصل الخريف، حين تستعيد المدن والبلدات اللبنانية إيقاعها المعتاد، وتفتح أبواب المدارس والجامعات والمعاهد أمام أجيال جديدة، يستعيد لبنان واحدة من أعمق عاداته وأكثرها رسوخاً وهي العودة إلى العلم.

فالخريف، في وجدان اللبنانيين، يتجاوز الصيرورة الطبيعية المتمثلة بتبدل الفصول، انه موعد متجدد مع المعرفة، ومع الحلم، ومع ذلك العقد الأزلي الذي نشأ بين اللبناني والعلم، حتى غدا التعليم جزءاً أصيلاً من هوية العائلة اللبنانية وذاكرتها وطموحها إلى المستقبل.

لقد تنافست العائلات اللبنانية، تاريخياً، في تعليم بناتها وأبنائها، وفي الوصول بهم إلى أعلى المراتب العلمية، وكان التفوق في المدرسة والجامعة مدعاة فخر يتجاوز حدود العائلة ليصبح عنواناً لمكانة اجتماعية وثقافية. لم يكن هذا الشغف بالعلم ترفاً، بل كان، ولا يزال، وسيلة اللبناني الأساسية لمواجهة صعوبة الواقع، وفتح أبواب العمل، وبناء المستقبل، والإسهام في نهضة وطنه كما في إبهار العالم أجمع أينما ارتحل وحل.

من هذا الإيمان الراسخ بدور العلم، تنطلق مسؤولية المديرية العامة للأمن العام في مقاربة التعليم بوصفه استثماراً في الإنسان، وفي قدرة المؤسسات على أداء رسالتها. وفي هذا الإطار، تكتسب الاتفاقات والبروتوكولات التي أبرمتها المديرية تباعاً مع الجامعات والمعاهد الرسمية والخاصة أهمية كبرى، ليس باعتبارها نصوصاً وقّعت بين مؤسسات لبنانية فحسب، وإنما بوصفها جسوراً ينبغي تفعيلها وتحويلها إلى فرص حقيقية أمام العسكريين والعاملين في الأمن العام للتزود بالمعارف والمهارات التي يحتاج إليها العمل الأمني والإداري المعاصر.

إن عالم اليوم لا ينتظر أحداً. والتطور المتسارع في العلوم والتكنولوجيا يفرض على المؤسسات أن تتعلم باستمرار، وأن تراجع أدواتها ومناهجها، وأن تواكب التحولات بدل أن تكتفي بمراقبتها. من هنا، تبرز الحاجة إلى الانفتاح على العلوم الحديثة، وفي طليعتها العلوم السيبرانية و الذكاء الاصطناعي بمختلف أبعادهما وتطبيقاتهما، مع التشديد على البعد الإنساني لهذه المعرفة، لأن قيمة التكنولوجيا لا تقاس بما تمنحه من قدرة كبيرة وضخمة، بل بما توظفه من قدرة في خدمة الإنسان، وصون حقوقه، وتعزيز أمنه، وحماية المجتمع.

لكن مسؤولية العلم لا تتوقف عند حدود المؤسسات. ففي الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يمر بها لبنان، يصبح تأمين الحق في التعليم مسؤولية وطنية وأخلاقية مشتركة. فالتعلم حق كفله الدستور، ولا يجوز أن تتحول الضائقة الاقتصادية إلى حاجز يحول بين طفل ومقعده الدراسي، أو بين شاب وجامعته، أو بين إنسان وطموحه. وفي مواجهة تداعيات الحروب والأزمات والعوامل الاقتصادية العالمية، لا بد لنا من استعادة واحدة من أجمل العادات اللبنانية الأصيلة وهي التكافل والتضامن الاجتماعيين، بحيث يمد القادر يده إلى المحتاج، ويساعد المكتفي من هو أقل قدرة، إلى أن نعبر معاً هذه المرحلة الصعبة من تاريخ وطننا.

وفي المديرية العامة للأمن العام، سيبقى دعم التعليم لأبناء العسكريين والعاملين فيها أولوية تتقدم كل الأولويات. وكما عهدتمونا دائماً، سنواصل السعي إلى تطوير سبل الدعم وتعزيزها، بما يتيح لأبنائنا وبناتنا الحصول على التعليم اللائق، لأن الاستثمار فيهم هو استثمار في مستقبل المؤسسة والوطن معاً.

فالعسكري الذي يحمي الوطن يستحق أن يرى أبناءه على مقاعد العلم، وأن يطمئن إلى أن مستقبلهم لا ينبغي أن يكون رهينة للظروف. وكلما ارتفع مستوى المعرفة، ارتفعت قدرة المؤسسة على أداء رسالتها، وكلما اتسعت آفاق الإنسان بالعلم، تعززت مناعة الوطن.

إن الأمن لا يصان بالقوة وحدها، بل بالمعرفة التي تهدي القوة إلى غايتها الصحيحة، وبالإنسان الذي يجعل من العلم وسيلة للبناء وخدمة المجتمع، وبالعلم نصون الأمن، وبالعلم نحفظ الوطن.

شاركها.