تتجه أنظار البرازيل اليوم الأحد 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026 إلى صناديق الاقتراع، في انتخابات رئاسية يبرز فيها الاقتصاد باعتباره أحد أهم الملفات التي تشغل الناخبين، وسط نقاش واسع حول تكاليف المعيشة والدين العام والإنفاق الحكومي والاستثمار ودور الدولة في الاقتصاد.

ويخوض الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، مرشح حزب العمال، السباق سعياً إلى ولاية رئاسية رابعة غير متتالية، في مواجهة السيناتور فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، الذي يخوض أول انتخابات رئاسية له. وإذا لم يحصل أي مرشح على أكثر من 50% من الأصوات الصحيحة، فمن المقرر إجراء جولة ثانية في 25 أكتوبر/تشرين الأول.

انتخابات البرازيل.. الاقتصاد يتصدر المشهد

لولا يميل إلى تخفيف ضريبة الدخل عن أصحاب الدخول المنخفضة وزيادة الضرائب على الفئات الأعلى دخلا (غيتي)
لولا يميل إلى تخفيف ضريبة الدخل عن أصحاب الدخول المنخفضة وزيادة الضرائب على الفئات الأعلى دخلا (غيتي)

لا يقتصر النقاش الاقتصادي في انتخابات البرازيل على معدلات النمو أو الاستثمارات، بل يمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بالدور الذي ينبغي أن تلعبه الدولة في الاقتصاد، وحجم الإنفاق العام، وطريقة التعامل مع الدين، ومستقبل البرامج الاجتماعية، إلى جانب علاقة البرازيل بالأسواق الدولية ورؤوس الأموال الأجنبية.

وتدخل حكومة لولا السباق مستندة إلى مؤشرات اقتصادية إيجابية، بينها انخفاض البطالة وتراجع مستويات عدم المساواة، في حين لا تزال تكاليف المعيشة وارتفاع مديونية الأسر تشكل مصدراً للقلق لدى قطاعات من الناخبين. وتشير تقارير حديثة إلى أن الدين العام تجاوز 82% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما خفضت الحكومة توقعاتها للنمو خلال العام الحالي والمقبل.

في المقابل، يطرح فلافيو بولسونارو توجهاً أكثر اعتماداً على خفض الإنفاق وتوسيع دور القطاع الخاص والخصخصة والامتيازات، مع التركيز على تعزيز الانضباط المالي وجذب الاستثمارات.

نمو تقوده الدولة أم سوق أكثر انفتاحاً؟

لولا يعتمد على دور أكبر للدولة في دفع الاستثمار والنمو عبر البنية التحتية والسياسة الصناعية والبرامج الاجتماعية (رويترز)
 لولا يعتمد على دور أكبر للدولة في دفع الاستثمار والنمو عبر البنية التحتية والسياسة الصناعية والبرامج الاجتماعية (رويترز)

يمثل شكل النمو الاقتصادي أحد أبرز محاور انتخابات البرازيل، إذ تختلف الرؤى بين استمرار الدولة في لعب دور كبير في الاستثمار والبنية التحتية والسياسة الصناعية، وبين توسيع مساحة السوق والقطاع الخاص وتقليص حجم التدخل الحكومي.

ويرتبط نهج لولا خلال ولايته الحالية بتوسيع البرامج الاجتماعية والاستثمار في البنية التحتية والصناعة، إلى جانب محاولة تنويع الشراكات التجارية والاستثمارية للبرازيل وعدم حصر علاقاتها الاقتصادية في قوة دولية واحدة.

وتحتل الصين ودول مجموعة بريكس موقعاً مهماً في السياسة الاقتصادية الخارجية للبرازيل، بالتوازي مع العلاقات التجارية التقليدية مع أمريكا وأوروبا. ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه البرازيل لاعباً رئيسياً في أسواق السلع الأولية والزراعة والطاقة والمعادن.

أما المعسكر المؤيد لفلافيو بولسونارو، فيطرح توجهاً أكثر قرباً من اقتصاد السوق، مع منح القطاع الخاص دوراً أكبر في الاستثمار وإدارة بعض القطاعات، وتقليص حجم الجهاز الحكومي والإنفاق العام.

الاستثمار الأجنبي بين أمريكا والصين

الاستثمار الأجنبي بين أمريكا والصين
الاستثمار الأجنبي بين أمريكا والصين

يمتد الخلاف الاقتصادي إلى طبيعة الشراكات الخارجية التي تحتاج إليها البرازيل، وهي نقطة تكتسب أهمية خاصة بسبب حجم اقتصاد البلاد ومواردها الطبيعية وموقعها التجاري.

ويؤكد الاتجاه الذي يمثله لولا أهمية الحفاظ على علاقات واسعة مع الصين ودول بريكس، إلى جانب الولايات المتحدة وأوروبا، بما يسمح للبرازيل بتنويع أسواقها ومصادر الاستثمار.

في المقابل، يطرح فلافيو بولسونارو تقارباً أكبر مع الولايات المتحدة، خصوصاً في ملفات الاستثمار والتجارة والموارد الاستراتيجية.

وتكتسب المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة أهمية متزايدة في هذا النقاش، في ظل المنافسة الدولية على الموارد المستخدمة في صناعات التكنولوجيا والطاقة الحديثة. كما تفرض العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة والصين نفسها على أي حكومة مقبلة، خصوصاً في ظل التوترات التجارية التي شهدتها العلاقة بين واشنطن وبرازيليا خلال الفترة الأخيرة.

الضرائب والإنفاق الحكومي

لولا يميل إلى تعزيز حماية العمال وتقليص أيام العمل بينما يدعم بولسونارو مرونة أكبر للشركات (الفرنسية)
لولا يميل إلى تعزيز حماية العمال وتقليص أيام العمل بينما يدعم بولسونارو مرونة أكبر للشركات (الفرنسية)

تظهر الفجوة بين المرشحين بوضوح في ملف السياسة المالية، وخصوصاً في كيفية التعامل مع الضرائب والإنفاق.

يركز نهج لولا على استمرار البرامج الاجتماعية والاستثمار الحكومي، مع سياسات تستهدف زيادة مساهمة أصحاب الدخول الأعلى في الإيرادات العامة، بالتوازي مع تخفيف العبء عن الشرائح الأقل دخلاً.

أما فلافيو بولسونارو فيطرح مساراً يعتمد بدرجة أكبر على خفض الإنفاق الحكومي وتوسيع الخصخصة ومنح القطاع الخاص مساحة أوسع في الاقتصاد، مع التركيز على ضبط المالية العامة.

ولا يعمل أي من المسارين في فراغ مالي، إذ تواجه البرازيل ضغوطاً مرتبطة بالدين العام وخدمة الدين والحاجة إلى تحقيق توازن بين الإنفاق والاستثمار من جهة والاستقرار المالي من جهة أخرى. وتشير تحليلات اقتصادية حديثة إلى أن المرشحين يقدمان رؤيتين مختلفتين لسرعة معالجة الاختلالات المالية، بينما لا تزال بعض التفاصيل المتعلقة بالإجراءات الأكثر كلفة سياسياً غير محسومة بشكل كامل.

الدين العام يفرض قيوداً على الحكومة المقبلة

الدين العام يفرض قيوداً على الحكومة المقبلة
الدين العام يفرض قيوداً على الحكومة المقبلة

يعد الدين العام أحد أكثر الملفات حساسية في انتخابات البرازيل، لأنه يحد من قدرة الحكومة على زيادة الإنفاق دون توفير مصادر إضافية للإيرادات أو اتخاذ إجراءات للحد من المصروفات.

وتواجه الحكومة المقبلة معادلة صعبة تتمثل في تمويل البرامج الاجتماعية والاستثمارات العامة، مع الحفاظ على ثقة الأسواق والسيطرة على مسار الدين والعجز.

ويرى الاتجاه الداعم لسياسات لولا أن الاستثمار الحكومي والبرامج الاجتماعية يمثلان أدوات لتحسين الطلب والنمو وتقليص الفوارق الاجتماعية، بينما يعطي التيار الاقتصادي الذي يمثله فلافيو بولسونارو أولوية أكبر للانضباط المالي وخفض النفقات وتوسيع دور القطاع الخاص.

ويصبح سعر الفائدة أيضاً عاملاً مهماً في هذه المعادلة، نظراً لتأثيره المباشر على تكلفة الاقتراض بالنسبة للحكومة والشركات والأسر.

تكلفة المعيشة تختبر وعود المرشحين

تكلفة المعيشة تختبر وعود المرشحين
تكلفة المعيشة تختبر وعود المرشحين

رغم تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية، يبقى السؤال الأكثر ارتباطاً بحياة الناخب البرازيلي هو قدرته على تحمل تكاليف المعيشة.

وتشير التقارير إلى أن انخفاض البطالة وتحسن بعض مؤشرات الدخل لم يمنعا استمرار المخاوف المتعلقة بارتفاع تكاليف المعيشة ومديونية الأسر. ولهذا تحاول الحملات الانتخابية ربط برامجها الاقتصادية بالقدرة الشرائية وفرص العمل والدعم الاجتماعي.

واتخذت حكومة لولا خلال الحملة خطوات مرتبطة بمشكلة ديون الأسر، كما أعلنت إجراءات بشأن المراهنات الإلكترونية، في وقت يحاول فيه الرئيس تقديم سياساته الاجتماعية والاقتصادية باعتبارها أدوات لمواجهة الضغوط التي تواجه الأسر.

في المقابل، يركز فلافيو بولسونارو على ملف تكلفة المعيشة ضمن حملته، بالتوازي مع طرح سياسات اقتصادية أكثر ارتباطاً بخفض الإنفاق وتوسيع دور السوق.

سوق العمل أمام رؤيتين مختلفتين

سوق العمل أمام رؤيتين مختلفتين
سوق العمل أمام رؤيتين مختلفتين

يشكل سوق العمل محوراً آخر في النقاش الاقتصادي، خصوصاً مع تغير طبيعة الوظائف وانتشار العمل المرن والمنصات الرقمية والتكنولوجيا.

ويرتبط توجه لولا عموماً بتعزيز حماية العمال والحفاظ على دور الدولة في تنظيم سوق العمل والضمانات الاجتماعية، بينما يميل برنامج فلافيو بولسونارو إلى منح الشركات مرونة أكبر، باعتبار أن تخفيف القيود قد يشجع الاستثمار والتوظيف.

ويعكس هذا الخلاف معادلة تواجهها اقتصادات عديدة: كيف يمكن زيادة مرونة الشركات وتحفيز الاستثمار، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق العمال والدخل والحماية الاجتماعية.

السياسة الخارجية جزء من المعادلة الاقتصادية

السياسة الخارجية جزء من المعادلة الاقتصادية
السياسة الخارجية جزء من المعادلة الاقتصادية

لا يمكن فصل الاقتصاد البرازيلي عن السياسة الخارجية، نظراً إلى اعتماد البلاد الكبير على التجارة الدولية وتدفقات الاستثمار والأسواق الخارجية.

ويحاول لولا الحفاظ على سياسة تقوم على تنويع الشراكات بين الصين وبريكس وأمريكا وأوروبا، بينما يدفع الاتجاه الذي يمثله فلافيو بولسونارو نحو تقارب أكبر مع الولايات المتحدة.

وتضيف التوترات التجارية بين واشنطن وبرازيليا بعداً جديداً إلى الملف، خصوصاً بعدما فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعريفات جمركية على منتجات برازيلية وربطت بعض إجراءاتها بالخلافات السياسية والقضائية المحيطة بالرئيس السابق جايير بولسونارو.

الاقتصاد أمام اختبار الانتخابات

بولسونارو يميل إلى خفض الإنفاق الحكومي وتحرير الأسواق مع توسيع دور القطاع الخاص في دفع النمو (رويترز)
بولسونارو يميل إلى خفض الإنفاق الحكومي وتحرير الأسواق مع توسيع دور القطاع الخاص في دفع النمو (رويترز)

تكشف انتخابات البرازيل أن المنافسة بين لولا وفلافيو بولسونارو لا تدور فقط حول الأشخاص أو الانتماءات السياسية، بل تشمل رؤيتين مختلفتين لطريقة إدارة الاقتصاد.

ويمنح نهج لولا الدولة دوراً واسعاً في الاستثمار والسياسة الصناعية والبرامج الاجتماعية، مع الاعتماد على توسيع الإيرادات وتمويل الإنفاق العام، بينما يطرح فلافيو بولسونارو مساراً يركز بدرجة أكبر على خفض الإنفاق والخصخصة والقطاع الخاص والانضباط المالي.

لكن الحكومة المقبلة ستواجه مجموعة من القيود المشتركة، أبرزها الدين العام وأسعار الفائدة والتضخم وتكاليف المعيشة وحركة رؤوس الأموال والطلب الخارجي.

وبذلك سيكون الاختبار الاقتصادي الأساسي أمام الرئيس المقبل مرتبطاً بقدرته على تحقيق توازن بين ضبط المالية العامة والاستثمار، وتحسين الدخول والسيطرة على الأسعار، وجذب الاستثمارات وزيادة الإنتاج المحلي، في واحدة من أكبر اقتصادات أمريكا اللاتينية.

شاركها.