لم يكن اللبنانيون يتوقّعون من الأمين العام لحزب الله موقفاً تصعيدياً أثناء تأبينه المعاون الجهادي هيثم الطبطبائي، لأن التصعيد في مواجهة الاغتيالات الصهيونية المتلاحقة كان ليكون استهدافاً لجنود العدو أو إسقاطاً لمسيّرات أو تدميراً لدبابات عدوّة كغابر الأيام في جنوبي لبنان، حيث كان رجال المقاومة الإسلامية يكبّدون الصهاينة خسارة تلو خسارة. وقد كان من الممكن أن يتلو التصعيدُ الجريمةَ، ثم يأتي الخطابُ معزّزاً ومفسّراً وموجّهاً؛ وإن كان الجمهور على حدّ الرغبة بالرّد والحذر من واقع الميدان، الذي يبدو أنه لم يعاود سيرته الأولى. فالميدان كظم على جراحه، ولاذ بالصبر منذ سنة.
استشهاد القائد الطبطبائي بين “صواريخ” المحللين وتأكيدات السياسيين
بالرغم من “صواريخ” المحللين، التي تقلّل من وقع الاغتيال، وترفع من منسوب التحدّي- وهذا من شؤونهم – ثم خطابات السياسيين المحذّرة والمتمسّكة بالحقوق اللبنانية، فإن اغتيال أبرز مسؤول عسكري في عداد المقاومة يعدّ بحدّ ذاته خللاً عظيماً، لا بسبب التفاضل بين الشهداء والمقاومين، بل بسبب دوره في معركة أولي البأس، ومركزيته الهيكلية، ودوره الاستثنائي في هذه اللحظة الدقيقة من تاريخ المقاومة ولبنان، خصوصاً أنه قاد عملية التعافي، بعد انتكاسة الهيكلية التي لم تُثبت نجاعةً، إلى التسلّح الذي بات أكثر صعوبة بعد النكبة التي أصابت “المحور” في سوريا.
ولا نكشف سرّاً، ولا نضيف تفصيلاً أن الشهيد الطبطبائي من الرعيل الأول للمقاومة الإسلامية في لبنان، ولم ينقطع عن مواكبة نشاطاتها وإنجازاتها منذ بداياتها، بل شارك في ساحات أخرى في مواجهة المشروع المضاد، على مستوى الإقليم. وذلك يعني أن خبراته المتراكمة ليست تقنية فحسب، بل تجمع إلى ذلك تجربة في السياسة والعلاقات مع أفرقاء في “المحور” الإقليمي. لكنه التحق الآن بمن سبقه من أبناء رعيله، في لبنان، وإيران أيضاً، ولربما ينتظر كثيرون ما لقيه في مسلسل لا يبدو أنه قريب النهاية!
من المؤكّد أن أهل مكة أدرى بشعابها، وأهل التنظيم و”المحور” أدرى بواقعهم العسكري، لكن المؤكد أيضاً أن الاستنزاف لقيادات الساحة البنانية بالخصوص، من دون أفق واضح المعالم، يطرح كثيراً من التساؤلات، ويثير الكثير من المخاوف لدى العموم حول مستقبل التوازن الردعي بين لبنان عامة والكيان الصهيوني، فضلاً عن الاستحقاقات المؤجلة من قبيل عملية إعادة الإعمار، والتهديد الأمني المستمر، وانعكاس ذلك على الاقتصاد المحلي والوطني والتنمية في لبنان!
“محور المقاومة” بين الحقيقة والوهم
لقد دخلت المقاومة اللبنانية حرب الإسناد بأفق تكاملي مع “محور”، تنتشر قواه على مستوى الإقليم، ويرتكز على بلدين كبيرين هما إيران وسوريا، ثم كانت المفاجأة في انكشاف المقاومة جويّاً أمام الطيران الصهيوني، وتكبّد المقاومة خسائر في نخبة المقاومين، إلى أن بلغت القضية الذروة باستشهاد السيد حسن نصرالله، فيما قاعدة المحور الصلبة إيران لم تتحرك، قبل أن تدفع ثمناً باهظاً من نخبة قادتها في حرب الـ 12 يوماً. لم ينفع في الحرب السلاح والأموال، واقتصر التعويل على الرجال! وقد كرّت جملة من الأسئلة التي تنمّ عن غموض في الموقف الإيراني، فهل كان التأجيل تروّياً وبصيرة استراتيجية تجاه واقع لا نعلم خباياه؟
أم كان من الأفخاخ التي انقاد إليها الإيرانيون بسذاجة استراتيجية؟
أم هو الحوار أجهزَ على عاشقيه من الإيرانيين؟…
كلنا نذكر الاطمئنان الذي رافق زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى مصر، وتناوله الكوشري في أحد مطاعم القاهرة، ثم زياره سوريا، وتناوله العشاء في مطعم “دجاجتي” في دمشق، ثم كان ما كان من انهيار الوضع في سوريا، لتصطبح المنطقة على سوريا الواهنة!
رواية سوريا المنتظرة
ثمة رواية لم تُرو بعض، يتكتم عليها كل الأطراف بدءاً من النظام الجديد في سوريا الذي حاول لملمة شتات سيناريو لإخراج قصة تليق بانقلاب وانتصار، ولم يفلح إلا لدى المزهوين بواقعهم الجديد، مروراً بإيران التي ألمحت إلى دور مركزي لروسيا بالتعاون مع تركيا، ثم روسيا التي لم تقلّ غموضاً عن الآخرين، بالرغم من حراجة موقفها ظاهرياً، وصولاً إلى شتات النظام البعثي الذين تواروا تماماً!
والكل تكتمّ على رواية الانهيار والسقوط، والكل اتهم الآخرين بالتواطؤ، ولم يكن راضياً إلا التركي!
إن بقاء هذه الرواية طيّ الكتمان يزيد من الشعور بالقلق، والشك في اتجاه الأحداث، والحذر من التموضعات الجديدة في المنطقة، بعد أن كان الظنّ أن لبنان ومقاومته قد آووا إلى ركن حصين، لا ينقطع مددُه ولا عددُه!
ما الذي منع إيران ومحورها من المبادرة إلى الحرب؟
ثمة من يستعيد، اليوم، القول إنه لو بادرت إيران إلى دعم الجبهة اللبنانية ابتداءً، أو تداركتها يوم افتتح الكيان اعتداءاته على الضاحية، أو يوم استشهاد السيد حسن نصرالله، فلربما لم يُنكب لبنان بشبابه وعمرانه، ولفرض على جيش الاحتلال حدوداً في احترام وقف الأعمال العدائية، بل لقهره على جري عادته!
وثمة قائل إنه قد يكون الخلل في التعويل على “محور” ليس قائماً بالفعل، ويستند إلى الميدان اللبناني دون غيره من الميادين، في الوقت الذي يفتقر فيه هذا الميدان إلى الغطاء الجوي، مهما كثرت الذخائر الأرضية، وتحصّن القائمون عليها في جوف الأرض وعلى سطحها. ولولا سلاح الجو لرأينا – بلا ريب – صورة أخرى على الأرجح، حيث لم تخذل المقاومين بسالتُهم، ولم يقتّروا هم بدم في سبيل أرضهم ومجتمعهم وعقيدتهم.
ماذا لو التزامت المقاومة حدود الوطن؟
في خضم الأحداث، يستعيد بعض اللبنانيين خياراً طرحه الإمام موسى الصدر، حين اعتبر أن تحرير الأرض اللبنانية المحتلة مسؤولية المقاومة الوطنية فيما تحرير فلسطين مسؤولية الأمة، مما يعني أن التحدي المطروح على اللبنانيين هو تحرير أرضهم، من دون التنازل للعدو الصهيوني، لكن من دون تحميل أنفسهم أعباء تفوق طاقاتهم، مثل تحرير فلسطين الذي يجب أن تتولاه الأمة العربية أو الأمة الإسلامية. صحيح أن الكيان الصهيوني هو الذي يبرز أمامنا، لكنه صورة خادعة، تُخفي واقع المعسكر الغربي الاستعماري الذي لا تقوم لقواه الفتاكة غير الأمة الناهضة.
لا يجدر بالخطاب أن يأتي تأبيناً لرجل، أو تهنئة بمناسبة، أو عرضاً تاريخياً… بل ينبغي له أن يكون معرفة، وسلطة، وإنجازاً، مما يبعث في الجمهور الطمأنينة، ويوضح لهم مسالك الأمور بإذن الله، ويعدهم بالنصر كما كان يعدهم دائماً.
طارق قبلان
01/12/2025
