من فخ ثوسيديدس إلى التعايش التنافسي: ماذا تقول قمة ترامب–شي عن مستقبل العلاقات الأميركية–الصينية؟
كتب باسم الموسوي
قد يكون أكثر ما لفت في قمة واشنطن بين دونالد ترامب وشي جين بينغ في 24 أيلول/سبتمبر 2026 أن الرئيس الصيني نفسه استحضر «فخ ثوسيديدس». لم تكن الإشارة مجرد استعارة تاريخية أضيفت إلى خطاب دبلوماسي. فالسؤال الذي طرحه كتاب «Destined for War: Can America and China Escape Thucydides’s Trap?» لغراهام أليسون قبل نحو عقد أصبح اليوم أقرب إلى السؤال المركزي الذي يحكم العلاقات الأميركية–الصينية: كيف تستطيع قوة دولية صاعدة أن تطالب بمكان يتناسب مع وزنها الجديد، وكيف تستطيع القوة التي بنت النظام القائم وقادته لعقود أن تتكيف مع هذا الصعود، من دون أن تتحول إعادة توزيع القوة إلى حرب؟
الفكرة الأساسية ليست أن الولايات المتحدة والصين محكومتان بالحرب. فالكتاب نفسه يرفض هذه الحتمية. لكنه يدعو إلى النظر أبعد من الأزمات اليومية، لأن الخطر الحقيقي لا يكمن بالضرورة في الحادث الذي يبدأ الحرب، وإنما في البنية التي تجعل حادثاً محدوداً قادراً على إشعالها. حين تصعد قوة جديدة وتتغير معها موازين الاقتصاد والتكنولوجيا والسلاح والنفوذ، تنمو لدى القوة الصاعدة مطالبة بأن تعكس المؤسسات والقواعد ميزان القوى الجديد، فيما تميل القوة القائمة إلى تفسير هذه المطالب باعتبارها تهديداً للنظام الذي ضمن لها التفوق. هنا يبدأ الضغط البنيوي الذي يجعل سوء الحساب أخطر مما يبدو.
بهذا المعنى، لا تعود الرسوم الجمركية أو الرقائق أو بحر الصين الجنوبي أو تايوان أسباباً مستقلة للصراع الأميركي–الصيني، بل تصبح نقاطاً يطفو عندها التغير الأعمق في توزيع القوة. ولذلك فإن النتيجة الأهم لقمة واشنطن قد لا تكون ما اتفق عليه الطرفان، بل اعترافهما الضمني بأن هذا التنافس يحتاج إلى إدارة طويلة المدى.
القمة لم تنتج اتفاقاً تجارياً شاملاً. ما تحقق فعلياً كان تمديد الهدنة التجارية شهرين، فيما بقيت الرسوم والمشتريات الصينية والمعادن النادرة والقيود التكنولوجية معلقة لجولات تفاوض لاحقة. وهذا يعني أن الطرفين لم يخرجا من الحرب الاقتصادية، وإنما قررا تأجيل جولة جديدة من التصعيد بينما يبحثان عن صيغة أكثر استقراراً لإدارة النزاع.
هذا الفارق مهم. ففي السنوات السابقة كان السؤال المطروح في واشنطن وبكين يدور كثيراً حول مقدار الضغط الذي يستطيع أحدهما فرضه على الآخر. أما القمة الأخيرة فتشير إلى سؤال مختلف: ما مقدار الضغط الذي يمكن ممارسته من دون أن يبدأ النظام كله بالتفكك؟ الصين تمتلك أوراقاً في الصناعة وسلاسل التوريد والمعادن النادرة والأسواق، والولايات المتحدة تحتفظ بمزايا كبيرة في التكنولوجيا المتقدمة والتمويل والتحالفات والقدرات العسكرية. والنتيجة ليست قدرة طرف على فصل الآخر من الاقتصاد العالمي، بل ظهور شكل غير مسبوق من الردع الاقتصادي المتبادل.
من هنا يصبح التعبير الذي تبنته بكين منذ قمة أيار/مايو، أي بناء «علاقة أميركية–صينية بناءة ذات استقرار استراتيجي»، أكثر أهمية من العبارات الدبلوماسية التي تبدو للوهلة الأولى عامة. ففي واشنطن دعا شي إلى تحويل هذه الرؤية إلى ممارسة فعلية، فيما صاغت الصين شكل العلاقة المرجوة باعتبارها علاقة يكون فيها التعاون أساساً، والمنافسة محدودة، والخلافات قابلة للإدارة، والسلام قابلاً للتوقع.
هذه ليست نهاية التنافس. إنها، على العكس، اعتراف بديمومته.
وتكمن هنا إحدى أهم أفكار الكتاب: صعود الصين ليس أزمة عابرة يمكن حلها باتفاق أو قمة، بل حالة تاريخية ستحتاج إلى إدارة على مدى جيل. ولذلك لا تكفي الاجتماعات الرئاسية وحدها؛ المطلوب منظومة مستمرة من الاتصالات والتفاهمات وضبط الأزمات، لأن العلاقة بين القوة الصاعدة والقوة القائمة تصبح خطرة عندما يعتقد كل طرف أن الآخر يسعى إلى حرمانه من مستقبله.
وهذا ما يجعل استحضار شي لفخ ثوسيديدس في الاجتماع مهماً. فقد قال إن هذا الخطر يمكن تجاوزه، ودعا إلى حوار عسكري منتظم وإلى آليات أقوى لمنع الأزمات. والرسالة، كما يمكن قراءتها، ليست أن الخلافات ستختفي، بل أن الطرفين يحاولان بناء حواجز تحول دون تحولها إلى صدام عسكري.
تايوان هي الاختبار الأصعب لهذه الفكرة. طالب شي واشنطن بأن تتعامل معها بحذر وأن تتخذ موقفاً معارضاً لاستقلال الجزيرة. لكن لم تظهر إشارة إلى قبول الإدارة الأميركية تغيير الصياغة التقليدية لموقفها من «عدم دعم الاستقلال» إلى «معارضة الاستقلال»، وهو تحول لغوي يحمل مضموناً سياسياً كبيراً. كما لم يعلن عن اتفاق يلغي الخلاف العسكري أو السياسي حول الجزيرة.
لكن أهمية تايوان لا تكمن فقط في كونها موضع نزاع. وفق منطق فخ ثوسيديدس، قد تكون الأزمة المحلية هي الشرارة التي تعمل داخل بيئة أصبحت أصلاً شديدة التوتر. هذا ما يفسر اهتمام الكتاب بالتفريق بين السبب المباشر للحرب وبين الظروف البنيوية التي تجعل الأحداث الصغيرة تتصاعد على نحو غير متوقع. ففي مثل هذه البيئات، لا يحتاج اندلاع الحرب بالضرورة إلى قرار مسبق بشنها؛ يمكن أن يبدأ الأمر باشتباك بحري أو خطأ في التقدير أو رد على عمل عسكري محدود ثم تتولى التزامات التحالف والاعتبارات الداخلية ومنطق الردع نقل الأزمة من مستوى إلى آخر.
ومن هذه الزاوية تحديداً تصبح تجربة 1914 ذات دلالة، لا لأن الصين هي ألمانيا أو لأن الولايات المتحدة هي بريطانيا، بل لأن الحرب العالمية الأولى كشفت كيف يمكن لشبكة تحالفات والتزامات وحسابات أمنية أن تجعل اغتيالاً في البلقان بوابة لحرب لم يكن أي طرف يتصور حجمها. ويحذر الكتاب من أن التحالفات، مع أنها أدوات ردع، تستطيع أيضاً أن تصبح آليات انتقال للأزمة من الحليف الأصغر إلى القوة الأكبر، وهو ما يجعل علاقات واشنطن الأمنية في شرق آسيا جزءاً من معادلة منع الحرب نفسها.
إلا أن التاريخ يقدم نموذجاً آخر. فمن الحالات التي يدرسها الكتاب، هناك حالات استطاعت فيها القوة الصاعدة والقوة القائمة أن تتجنبا الحرب. وأهمها انتقال مركز الثقل من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، ثم المنافسة الأميركية–السوفياتية التي بقيت، رغم شدتها وامتدادها العالمي، دون حرب مباشرة بين القوتين العظميين.
وهذا يقود إلى السؤال الحقيقي بعد قمة واشنطن: هل تتجه العلاقة الأميركية–الصينية إلى نموذج ألمانيا وبريطانيا قبل 1914، أم إلى نظام منافسة شديدة يمكن ضبطها كما حدث بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي؟
لا يوجد جواب نهائي بعد. لكن بعض ما ظهر في القمة يوحي بمحاولة بناء عناصر النموذج الثاني. فإلى جانب الحوار العسكري، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه مجالاً يجمع بين المنافسة والحاجة إلى التعاون. شي اعتبر أن البلدين من القوى الرائدة في هذا المجال، وأن عليهما مسؤولية تطوير الذكاء الاصطناعي وإدارته بطريقة تبقيه تحت السيطرة البشرية.
المغزى هنا يتجاوز أخلاقيات التكنولوجيا. فالأنظمة السيبرانية والذكاء الاصطناعي والأسلحة ذاتية القرار والفضاء أصبحت قادرة على تقصير زمن اتخاذ القرارات العسكرية إلى مستويات لم يعرفها عصر الحرب الباردة. والكتاب كان قد لفت مبكراً إلى أن الأسلحة السيبرانية والمضادة للأقمار الاصطناعية وغيرها من التقنيات الجديدة تخلق مسارات تصعيد لا يمكن معرفة آثارها بالكامل قبل استخدامها فعلياً.
لهذا قد يتحول الحوار الأميركي–الصيني حول الذكاء الاصطناعي مستقبلاً إلى ما يشبه البدايات الأولى لاتفاقات الحد من مخاطر السلاح النووي: ليس اتفاقاً يوقف السباق، بل قواعد تمنع حادثاً تقنياً أو هجوماً سيبرانياً أو قراراً خاطئاً من أن يُفسَّر باعتباره بداية حرب.
الردع النووي نفسه يضيف سبباً آخر لضرورة التعايش. فحين تستطيع قوتان إلحاق دمار غير مقبول إحداهما بالأخرى، لا تختفي الخصومة، لكن معنى الانتصار العسكري يتغير. ويستخلص الكتاب من التجربة الأميركية–السوفياتية أن امتلاك قدرات انتقامية نووية يجعل الحرب المباشرة بين القوتين خياراً يصعب تبريره استراتيجياً، ويفرض عليهما قدراً من التسوية وضبط النفس لا يفرضه ميزان القوى التقليدي.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم أثر العلاقة الأميركية–الصينية في الحروب الأخرى. ففي الشرق الأوسط مثلاً، لم تنتج القمة تحالفاً أميركياً–صينياً بشأن إيران. الموقف الصيني بقي مختلفاً؛ شي دعا واشنطن وطهران إلى العودة إلى الحوار، وأعلن دعم العودة إلى مسار تفاوضي يؤدي إلى اتفاق شامل بشأن الملف النووي وغيره.
لكن غياب التطابق السياسي لا يلغي وجود مصالح مشتركة في منع انهيار الاستقرار الاقتصادي العالمي أو توسع الحروب بصورة تهدد التجارة والطاقة. وهذا يوضح طبيعة النظام الناشئ: تعاون في بعض الملفات، وتنافس في ملفات أخرى، وصراع شديد في ثالثة، من دون أن يعني أي منها بالضرورة انتقال العلاقة كلها إلى الحرب.
بل إن ذلك قد يفسر بصورة أفضل مستقبل النظام الدولي. العالم لا يتجه بالضرورة إلى تقسيم بسيط بين معسكر أميركي وآخر صيني. كثير من الدول ستسعى إلى الاستفادة من العلاقة الاقتصادية مع الصين والحماية أو التكنولوجيا أو التمويل الغربي في الوقت نفسه. وفي هذا العالم يصبح نفوذ الدول الوسطى أوسع كلما نجحت القوتان العظميان في منع التنافس بينهما من التحول إلى حرب صفرية.
ويبقى في الكتاب درس آخر بالغ الأهمية: المنافسة بين القوى الكبرى لا تحسمها الجيوش وحدها. الاقتصاد وكفاءة الدولة والقدرة على الابتكار والتماسك الداخلي هي التي تنتج القوة القابلة للاستمرار. فالكتاب يضع الأداء الاقتصادي، وفاعلية الحكم، والقدرة على تعبئة المجتمع ضمن العوامل الحاسمة التي تحدد موقع الدول في صراعات القوة الطويلة.
لهذا ربما يكون التركيز المفرط على عدد حاملات الطائرات الأميركية أو الصواريخ الصينية مضللاً. المسابقة الأعمق تدور حول أي الطرفين يستطيع إنتاج التكنولوجيا والمعرفة والبنية التحتية والطاقة والقدرة الصناعية والتعليم والتمويل والاستقرار السياسي بصورة أكثر استدامة خلال العقود المقبلة. ولذلك لا تجري المنافسة الأميركية–الصينية فقط في مضيق تايوان أو بحر الصين، بل في الجامعات والمصانع والمختبرات وشبكات الطاقة والذكاء الاصطناعي وسلاسل التوريد.
هذا ما يجعل قمة واشنطن أكثر إثارة للاهتمام مما توحي به حصيلتها المباشرة. الاتفاق التجاري الكبير لم يولد، وتايوان بقيت موضع خلاف، والسباق التكنولوجي مستمر، ولم تنته النزاعات الدولية التي تختلف بشأنها واشنطن وبكين. لكن شيئاً آخر بدأ يظهر بوضوح أكبر: الطرفان يعترفان بأنهما سيدخلان مرحلة طويلة لا يستطيع أحدهما فيها إلغاء الآخر.
وهكذا يمكن قراءة «الاستقرار الاستراتيجي» باعتباره الاسم الدبلوماسي الجديد لهذه الحقيقة. الصين لن تعود إلى الحجم الذي كانت عليه قبل أربعة عقود، والولايات المتحدة لن تتخلى ببساطة عن النظام الذي بنت جزءاً كبيراً من مؤسساته وتحالفاته. المشكلة إذاً ليست كيف ينتصر أحدهما على الآخر، بل كيف يتعايشان مع إعادة توزيع مستمرة للقوة من دون أن تتحول الخلافات التي تنتج عنها إلى حرب.
وهنا بالضبط تكمن القيمة الأعمق لفخ ثوسيديدس: ليس في التنبؤ بأن الحرب ستقع، بل في التحذير من الاعتقاد بأنها لا يمكن أن تقع. فالكتاب نفسه يشدد على أن التاريخ يقدم حالات انتهت بالحرب وأخرى أفلتت منها، وأن النجاة احتاجت إلى تعديلات مؤلمة في سلوك القوة الصاعدة والقوة القائمة معاً.
لذلك قد لا تكون قمة ترامب–شي خروجاً من فخ ثوسيديدس، لكنها تشير إلى بداية محاولة واعية لإدارته. الهدنة التجارية، وقنوات الاتصال، والحوار العسكري، والحديث عن الذكاء الاصطناعي، ومفهوم «الاستقرار الاستراتيجي» كلها لا تلغي أسباب المنافسة، وإنما تحاول وضع حواجز أمام تحولها إلى حرب.
وقد يكون هذا هو الشكل الذي ستأخذه العلاقات الدولية في المرحلة المقبلة: لا سلام أميركياً–صينياً كاملاً، ولا حرباً باردة مطابقة للقرن العشرين، ولا انفصالاً اقتصادياً شاملاً، بل تعايش تنافسي بين قوتين تعرف كل منهما أن الأخرى خصم استراتيجي لا يمكن إلغاؤه، وشريك دولي لا يمكن الاستغناء عنه تماماً.
بهذا المعنى، لم تحل قمة واشنطن المشكلة الأميركية–الصينية. لقد بدأت، ربما، الاعتراف بطبيعتها الحقيقية: صراع طويل يجب أن يمتلك قواعد قبل أن يمتلك شرارة.
