
توفيق شومان
يتساجل اللبنانيون على كل شيء، ومن دون أن يتفقوا على شيء. وجديد سجالاتهم (وجدالاتهم) التفاوض مع إسرائيل، وكأنّ لا مفاوضات سبقت ولا اتفاقيات تقوّضت ولا مطالبات إسرائيلية تبدأ بليونة الملامس وتنتهي بالتقلّب على الأنياب واستخراج ما فيها من العَطب، إذا ما جازت استعارة معنى بيت الشعر الشهير للشاعر الفارس عنترة العبسي. وعلى موائد نقاشية عديدة (بل على كلّ مائدة) تحضر (وتُستحضَر) أسئلةٌ من نوع: ماذا تريد إسرائيل من لبنان؟ وعلى عجل يتعجّل بعضهم في الإجابة فيقول إن تل أبيب لا تبتغي من لبنان إلا سلاماً، ويستسهل آخرون إجابةً مماثلةً فيستدعون اتفاق 17 أيار (1983) فيترحّمون عليه، ويغدقون على ذكراه حنيناً وتأسّفاً وأملاً بإعادة إحيائه وهو رميم.
وعلى هذه الحال، يتجاوز المترحّمون على “17 مايو” ما كتبه عن ذاك الاتفاق ضالعون في القانون والسياسة والأمن، منهم أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية، جورج ديب، فنشر سلسلة بحثية في صحيفة النهار (بين نوفمبر/ تشرين الثاني 1983 وسبتمبر/ أيلول 1984)، خلص فيها إلى “أن الترتيبات الأمنية التي حصلت عليها إسرائيل بموجب الاتفاق هي من الخطورة، بحيث إنها لو نُفِّذت لتحوَّل لبنان محميةً إسرائيلية”، وفي البحث المنشور في صحيفة السفير (29/11/1983) لوزير الدفاع والمالية الأسبق إلياس سابا: “للجيش اللبناني أن يحتفظ في المنطقة الأمنية، أي في جنوب نهر الأولي (يبعد 60 كيلومتراً عن الحدود مع فلسطين المحتلة) ومنطقة جبل الباروك (ارتفاعه حوالي ألفي متر) بأسلحة دفاع جوي لا يزيد عيارها عن 40 مليمتراً، أي إن المنطقة الأمنية ستكون من دون وسائط دفاع جوي، ومن طرائف الاتفاق أن بإمكان إسرائيل الاعتراض على وجود قائد الجيش في المنطقة الأمنية، بحجّة أن القائد (حينذاك) من غير سكّان المنطقة الأمنية”.
والحديث عن هذه المنطقة ذو شجون، ويجري توصيفها في الوقت الحالي بـ”المنطقة العازلة”، وتسرّب وسائل الإعلام الإسرائيلية تفاصيل عن تلك المنطقة بتقسيمها بين ثلاثة قطاعات: من الحدود مع فلسطين إلى نهر الليطاني، ومن الليطاني إلى نهر الزهراني، ومن الأخير إلى نهر الأولي، أي الجنوب اللبناني كلّه، من البحر إلى جبل الشيخ والجنوب السوري، وبصورة تتسع فيها المنطقة الأمنية ـ العازلة من البحر المتوسط على سواحل لبنان الجنوبية إلى المحافظات السورية الثلاث: القنيطرة والسويداء ودرعا.
بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، غدت المنطقة الأمنية العنوان العام للمفاوضات مع دولة الاحتلال، ولم تعد مقتصرةً على الشريط الحدودي، بل طاولت الجنوب كلّه
في ذاكرة الصحافة اللبنانية مقدّمات لـ”لمنطقة العازلة”، ففي افتتاحية صحيفة الأنوار (21/5/1974): “منذ سنوات ولبنان يتعرض لضغوط هائلة، وهدف هذه الضغوط إقامة منطقة عازلة بين الحدود اللبنانية والفلسطينية تعطي المحتلّين الإسرائيليين الأمن والاستقرار”، وهذه المنطقة أنشأتها إسرائيل عام 1978 عبر ما يُعرف بـ”الشريط الحدودي” أو الحزام الأمني الذي أداره متعاملون معها ومنشقّون عن الجيش اللبناني، أولهم الرائد سعد حدّاد وآخرهم أنطوان لحد. وحين سعت الدولة اللبنانية إلى إرسال وحدات عسكرية إلى الجنوب اللبناني، بما فيه الشريط الحدودي، رفضت إسرائيل، فرغب اللبنانيون بتوسيط الولايات المتحدة، فأتاهم الجواب من السفير الأميركي في بيروت (في 14 أغسطس/ آب 1978) بقائمة بنود إسرائيلية معروفة بـ”النقاط الثماني” تنطوي على رفض إسرائيلي للمضمون، وعلى “نصائح” في الشكل، منها: “لا تعارض إسرائيل مبدئياً انتشار الجيش اللبناني في كل جنوب لبنان، لكن الحكومة الإسرائيلية لا تستطيع التعهّد بإلزام المليشيات المتعاونة معها بوقف إطلاق النار، ولا تنصح هيئة الأركان الإسرائيلية الجيش اللبناني بالتقدّم نحو قطاع الشريط الحدودي، فالمليشيات مصمّمة على منعه من دخول هذا القطاع، وتلفت هيئة الأركان الانتباه إلى أن القرويين (في الشريط الحدودي) قطعوا الجسور مع السلطات اللبنانية والعرب، وبفضل تعاملهم مع إسرائيل ما زالوا على قيد الحياة، والخيار المطروح عليهم واحد من اثنَيْن: إما القتال ليبقوا أحياء وإما النزوح فيصبحوا لاجئين”.
وفي الشروح المرتبطة باحتفاظ إسرائيل بالشريط الحدودي أو “المنطقة العازلة”، وبمساندة أميركية لا يشوبها شكّ، نقلت صحيفة الأنباء الكويتية (15/8/1978) عن مصادر دبلوماسية عربية قولها إن إدارة الرئيس الأميركي جيمي كارتر أبلغت الحكومة اللبنانية أن قضية الجنوب ستُثار في مفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل “ويجب التريّث وعدم إعطاء تعليمات للجيش النظامي بالتقدّم نحو منطقة الحدود مع إسرائيل”.
