خاص مركز بيروت للأخبار

بقلم مبارك بيضون

في قراءة سريعة للمشهد الذي رافق انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام، تبدو أمامنا مشهدية دولية مختلفة عن تلك التي اعتادت المنظمة الدولية أن تقدمها في مثل هذه المناسبات. فالجلسات انعقدت في زمانها ومكانها المحددين، لكن المشهد السياسي الذي رافقها كشف بوضوح حجم التحولات التي طرأت على دور الأمم المتحدة وقدرتها على التأثير في الأزمات الدولية، ولا سيما أزمات المنطقة.

أبرز ما يمكن التوقف عنده هو أن الأمم المتحدة تبدو اليوم، في نظر كثير من منتقدي أدائها، أقرب إلى شاهد على ما يجري منها إلى جهة قادرة على فرض قراراتها وتحويلها إلى واقع سياسي ملزم. فهناك قرارات ومواقف أممية عديدة بقيت، على مدى سنوات، من دون ترجمة كاملة إلى إجراءات قادرة على وقف الحروب أو حماية المدنيين أو فرض قواعد القانون الدولي بصورة متساوية على الأطراف المعنية.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: الأرقام والقرارات والتصويتات تتراكم، لكن المفاعيل السياسية لهذه القرارات تبقى محدودة عندما تصطدم بموازين القوى الدولية، ولا سيما داخل مجلس الأمن، حيث يظل حق النقض عاملاً أساسياً في تحديد إمكانية صدور قرارات ملزمة.

نتنياهو على منبر الأمم المتحدة

وفي هذا السياق، جاء مشهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على منبر الجمعية العامة ليعكس جانباً آخر من هذا الانقسام الدولي. فقد غادرت وفود عدة القاعة احتجاجاً على كلمته، في مشهد تحول إلى واحدة من أبرز صور الجمعية العامة هذا العام، بينما بقيت وفود أخرى داخل القاعة، وبرز في المقابل التصفيق والتأييد من جانب آخر.

ولم يكن خروج الوفود مجرد تفصيل بروتوكولي، بل تحول إلى صورة سياسية عن الانقسام الدولي حول إسرائيل والحرب في غزة والملفات المرتبطة بها. وفي المقابل، مضى نتنياهو في إلقاء كلمته والدفاع عن سياسات حكومته، ليؤكد مرة أخرى أن منبر الأمم المتحدة بات ساحة مواجهة سياسية وإعلامية تعكس الانقسامات الدولية القائمة.

والمفارقة أن المنبر الذي يفترض أن يكون مساحة للحوار والتعددية والاحتكام إلى القانون الدولي، تحول في كثير من الأحيان إلى مساحة لتبادل الاتهامات والخطابات السياسية، بينما بقيت قدرة المنظمة على تحويل مواقفها إلى إجراءات عملية موضع سؤال متزايد.

ولكن خلف مشهد نتنياهو على منبر الأمم المتحدة، كانت غزة حاضرة بكل ما تحمله من صور الضحايا والدمار، ولا سيما الأطفال الذين دفعوا الثمن الأكبر في هذه الحرب. فالمأساة الإنسانية التي عاشها قطاع غزة لم تبقَ محصورة في حدود الجغرافيا الفلسطينية، بل تحولت إلى قضية أثارت تحركات واحتجاجات في مدن وعواصم عديدة حول العالم، حيث خرجت حشود من المتظاهرين، وبينهم ناشطون وشخصيات دينية ومدنية، احتجاجاً على سقوط المدنيين والأطفال وعلى استمرار الحرب.

وفي هذا السياق، بدا خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة محاولة لتحويل مسار النقاش من مشاهد الضحايا والمسؤولية السياسية والقانونية إلى خطاب الدفاع عن إسرائيل ومهاجمة خصومها. فبينما كانت أعين العالم تتجه إلى ما يجري في غزة، وقف نتنياهو على المنبر الدولي ليقدم روايته للأحداث، في مشهد رأى فيه منتقدوه محاولة للتهرب من الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية عن الانتهاكات التي وثقتها جهات دولية وحقوقية.

والأكثر دلالة أن هذا الخطاب جاء في ظل وجود مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2024، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهي اتهامات ينفيها نتنياهو والحكومة الإسرائيلية. وبالتالي، فإن ظهوره على منبر الأمم المتحدة لم يكن مجرد خطاب سياسي عادي، بل جاء في ظل مواجهة سياسية وقانونية دولية متصاعدة حول الحرب في غزة ومسؤولية المسؤولين عنها.

الولايات المتحدة… القوة والفيتو

ولا يمكن فصل هذا المشهد عن الدور الأميركي في المنطقة، ولا عن السياسة الأحادية التي باتت واشنطن تمارسها في عدد من الملفات الدولية.

فالولايات المتحدة لم تكتفِ بالضغوط السياسية والعقوبات، وإنما دخلت بصورة مباشرة في الحرب على إيران، ضمن الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل على الأراضي الإيرانية، والتي أوقعت أعداداً كبيرة من الضحايا المدنيين.

والأخطر أن هذه الضربات لم تقتصر، وفق تحقيقات وتقارير دولية، على أهداف عسكرية، بل طالت منشآت ومرافق مدنية. ومن أبرز الوقائع ضربة مدرسة في مدينة ميناب الإيرانية، التي أوقعت أعداداً كبيرة من القتلى، بينهم أطفال، وفق ما خلصت إليه تحقيقات أممية، التي قالت إن لديها أسباباً معقولة للاعتقاد بأن الضربة الأميركية على المدرسة شكّلت جريمة حرب.

وهنا تصبح المسألة أكثر من مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، لأن سقوط المدنيين والطلاب والأطفال يطرح مباشرة مسألة حماية المدنيين واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، ودور المؤسسات الدولية في منع استهدافهم ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات عندما تثبتها التحقيقات.

ولا تقف المسألة عند إيران وحدها، بل تمتد إلى المشهد الإقليمي بأكمله، من غزة إلى لبنان وسائر ساحات المنطقة، حيث أدى اتساع رقعة العمليات العسكرية إلى جعل المدنيين في قلب تداعيات الصراعات.

عندما يصبح الفيتو أقوى من إرادة الأغلبية

وتتضاعف هذه الإشكالية عندما تكون الدولة التي تشارك في العمليات العسكرية طرفاً دائماً في مجلس الأمن وتمتلك حق النقض.

فالولايات المتحدة استخدمت الفيتو في مجلس الأمن لإسقاط مشاريع قرارات مرتبطة بوقف إطلاق النار في غزة، رغم حصولها على تأييد جميع الأعضاء الآخرين في المجلس في بعض تلك التصويتات. وفي أحد التصويتات، حصل مشروع القرار على 14 صوتاً مؤيداً مقابل صوت أميركي واحد رافض.

وهنا تظهر مشكلة الأحادية الدولية بصورة أكثر وضوحاً: قد تحظى قضية ما بتأييد واسع داخل مجلس الأمن، لكن قراراً واحداً باستخدام الفيتو يستطيع تعطيلها. وهذه ليست مسألة مرتبطة بالولايات المتحدة وحدها من الناحية القانونية، إذ إن حق النقض متاح للدول الخمس دائمة العضوية، لكن تكرار استخدام الفيتو الأميركي في ملفات المنطقة، وخصوصاً في ملف غزة، جعل هذا الحق موضع انتقادات دولية واسعة.

وبالتالي، فإن الفارق يصبح كبيراً بين التعددية في التصويت والتعددية في القدرة على فرض القرار.

الأمم المتحدة… بين القرار والتنفيذ

من هنا يمكن فهم التحول الأوسع في صورة الأمم المتحدة. فالمنظمة الدولية لا تزال قائمة، ومؤسساتها تعمل، والجمعية العامة تواصل عقد جلساتها، ومجلس الأمن يواصل إصدار قراراته، لكن قدرة هذه المؤسسات على فرض تنفيذ قراراتها تبقى مرتبطة بموازين القوى الدولية وبمواقف الدول الكبرى.

فالقرار الذي يحظى بتأييد واسع يمكن أن يبقى بلا مفاعيل عملية عندما يصطدم بإرادة دولة تملك حق النقض، كما أن القرارات الأممية المتعلقة بالحروب والنزاعات لا تتحول بالضرورة إلى واقع على الأرض إذا غابت الآليات السياسية القادرة على تنفيذها.

وهنا تحديداً يظهر أحد أكبر التحديات التي تواجه النظام الدولي: هل تستطيع المؤسسات الدولية أن تكون مرجعاً فعلياً للقانون والعدالة، أم أنها ستبقى انعكاساً لموازين القوى بين الدول الكبرى؟

التعددية في مواجهة الأحادية

إن ما يجري اليوم لا يمكن قراءته فقط من خلال الكلمات التي ألقيت في الجمعية العامة، بل من خلال التناقض بين الخطاب والممارسة.

فمن جهة، هناك دعوات متكررة إلى احترام القانون الدولي وحماية المدنيين والحفاظ على السلم والأمن الدوليين. ومن جهة أخرى، تستمر الحروب والضربات العسكرية، ويستمر سقوط المدنيين، فيما تعجز المؤسسات الدولية في بعض الحالات عن وقف هذه العمليات أو محاسبة المسؤولين عنها.

والولايات المتحدة، بما تملكه من ثقل سياسي وعسكري واقتصادي وحق النقض في مجلس الأمن، تبقى في صلب هذا النقاش. وهذا لا يعني أن كل قرارات النظام الدولي تُصنع أميركياً، ولا أن واشنطن هي الدولة الوحيدة التي تستطيع تعطيل قرارات المجلس، وإنما يعني أن الوزن الأميركي داخل النظام الدولي يجعل مواقفها ذات تأثير مباشر في مسار العديد من الملفات.

الجمعية العامة… مرآة للانقسام الدولي

المشهد الأكثر دلالة في الجمعية العامة هذه المرة لم يكن في مضمون الكلمات وحده، بل في الصورة التي رافقت الكلمات: وفود تغادر القاعة، وأخرى تبقى، وتصفيق يقابله اعتراض، وخطاب إسرائيلي يدافع عن سياسات الحكومة الإسرائيلية في مواجهة انتقادات دولية واسعة.

وهكذا تحولت الجمعية العامة إلى مرآة للانقسام الدولي أكثر من كونها منصة قادرة وحدها على حسم هذا الانقسام.

شاركها.