
باسم الموسوي
يأتي كتاب «إنجيل الظل: كيف استحوذت شيطنة الليبرالية على الدين والإعلام والسياسة في الولايات المتحدة» ليطرح تشخيصاً عميقاً لواحدة من أخطر التحولات في الثقافة السياسية الأميركية. فالمؤلفان ويتني فيليبس ومارك بروكواي لا يقدّمان عملاً عن “اليمين” أو “اليسار” بالمعنى التقليدي، بل يسعيان إلى كشف ما يصفانه بنظام إيماني جديد، لا علاقة له بالدين بمعناه العقائدي، لكنه يستعير لغته ورموزه وأساليبه. إنه لاهوت سياسي قائم على شيطنة الخصم، لا بوصفه خصماً، بل بوصفه شراً مطلقاً يهدد الأمة والمجتمع والله نفسه. هنا تصبح السياسة شكلاً من أشكال الحرب المقدسة الدائمة، ويغدو المواطن الأميركي – على الأقل داخل هذا النظام الخطابي – جندياً في معركة لا تنتهي.
يبدأ الكتاب من ملاحظة بسيطة: إن دونالد ترامب لم يبنِ “عبادة شخصية” بقدر ما ورث “ديانة سياسية” جاهزة. فقبل ترامب بسنوات طويلة، كانت سردية “التهديد الليبرالي” قد تبلورت عبر شبكات الإعلام المحافظ والإنجيلي، وتكاملت عبر مؤسسات ضغط وتنظيمات ثقافية ودينية وأجهزة إعلامية ضخمة. لم يكن ترامب سوى المستفيد الأكبر من روايات عمرها ثمانية عقود. وهنا تظهر أطروحة المؤلفين: ما انتصر في انتخابات 2024 ليس ترامب، بل “إنجيل الظل” نفسه. هذا الإنجيل ليس كتاباً ولا عقيدة، بل هو شبكة من المقولات، والرموز، والعداوات، والقصص، يتردد صداها في الإعلام والكنائس والمهرجانات الخطابية، وينتج شعوراً دائماً بالحصار والتهديد.
أهم ما يميّز هذا “الإنجيل” هو أنه يوظّف مفردات دينية من دون أي التزام ديني فعلي. فالتهديد لا يأتي من الشيطان بالمعنى اللاهوتي، بل من “الليبرالي” – هذا الكائن المتحوّل الذي يمكن أن يكون سياسياً ديمقراطياً، أو صحافياً، أو معلماً، أو مهاجراً، أو ناشطاً حقوقياً، أو حتى جمهورياً معتدلاً. ثمّة شيطنة بلا شيطان، ودين بلا إله، ومعركة مقدسة بلا خلاص. وهذا ما يجعل الخطاب خطيراً: إنه يوفّر شعوراً دائماً بالمعنى وبالهوية من خلال العداء المستمر، لا من خلال هدف سياسي متماسك.
يكشف الكتاب جذور هذه الظاهرة في سياق التاريخ الأميركي منذ الأربعينيات. فخلال الحرب الباردة بدأت تتبلور فكرة “العدو الداخلي”، إذ استخدمت التيارات اليمينية والإنجيلية خطاباً دينياً في مواجهة الشيوعية، ثم توسّع هذا الخطاب ليشمل أي فكرة أو مؤسسة تُنسب إلى الليبراليين. ومع الوقت، أصبح “الليبرالي” مفهوماً مرناً وقابلاً لأن يُسقط عليه كل خوف اجتماعي أو سياسي أو ثقافي. وعبر الإعلام الإذاعي والتلفزيوني ثم شبكات الكابل والإنترنت، وُلدت منظومة كاملة من “الروايات المختزلة” التي تُعيد إنتاج الشعور الدائم بالتهديد.
من الأمثلة اللافتة التي يناقشها الكتاب “حرب عيد الميلاد” الشهيرة، التي تروّج لها فوكس نيوز كل عام. فرغم غياب أي دليل على وجود حرب حقيقية على عيد الميلاد، إلا أن السردية أصبحت تقليداً إعلامياً، حتى غدت جزءاً من الهوية المحافظة. هنا تتجلّى قوة إنجيل الظل: إنه يجعل من حادثة عابرة أو إشاعة هامشية دليلاً على “صراع وجودي” بين الخير والشر. ومثله أيضاً “الذعر الأخلاقي” الذي جرى في الثمانينيات حول موسيقى الروك، أو الهستيريا الدائمة في السنوات الأخيرة حول التعليم والجندر والمناهج. كل ذلك ليس سوى تجلّيات مختلفة لبنية واحدة: تحويل الخلاف السياسي إلى معركة دينية.
يتوقف الكتاب أيضاً عند جائحة كوفيد-19 بوصفها مثالاً نموذجياً على كيفية اشتغال هذا النظام الخطابي. فرغم الإجماع العلمي والدعوات الكنسية نفسها للتطعيم، تحوّل اللقاح إلى “علامة اضطهاد”. لم يعد الأمر قراراً صحياً، بل مسألة “حرية دينية”، أو “حرب على المسيحية”، أو محاولة لـ“تطهير الجيش من المسيحيين”. إن رفض اللقاح لم يكن موقفاً صحياً أو علمياً، بل طقساً هوياتياً يعيد إنتاج الولاء لخطاب الظل. وهذا ما يؤكده المؤلفان: إن هذا الخطاب لا يحتاج إلى حقيقة، لأنه يستمد شرعيته من شعور أنصاره بأنهم في معركة يومية ضد “شيطان ليبرالي” غير مرئي.
ما يميّز الكتاب حقاً هو نقده العميق لإطار “الاستقطاب بين اليمين واليسار” الشائع في التحليل السياسي. فوفق المؤلفين، المشكلة ليست صراعاً أيديولوجياً، بل اختلالاً معرفياً وروحياً. إن “إنجيل الظل” يدمّر السياسة نفسها لأنه يحلّ محلّها منطقاً دينياً مغلقاً: لا وجود للحقيقة المشتركة، ولا معيار للنقاش، ولا إمكان للتسوية. العالم مقسوم بين “نحن” و“هم”، لا وفق اختلاف المصالح، بل وفق ثنائية الخير والشر. وتلك هي اللحظة التي تتحوّل فيها الديمقراطية إلى ساحة حرب لا إلى فضاء تفاوض.
ويذهب الكتاب أبعد من ذلك حين يشير إلى أن ما يبدو “مسيحية سياسية” ليس مسيحياً في جوهره. فالإعلاميون والسياسيون الذين يقودون هذه الموجة لا يمارسون شعائر دينية، ولا يستندون إلى لاهوت، ولا تهمهم الأخلاق المسيحية. إنهم يوظفون لغة الدين لاكتساب الشرعية، ثم يلغون الدين نفسه لصالح سردية الصراع. ولهذا فإن نقد “القومية المسيحية” وحدها لا يكفي. ما يواجهه المجتمع الأميركي أخطر من ذلك: إنه دين سياسي بلا إيمان، ولاهوت شيطاني بلا عقيدة، وإيمان جماعي بالخطر أكثر من الإيمان بالله.
تبدو أهمية هذا التحليل مضاعفة في اللحظة الراهنة، لأن الكاتبَين لا يريان أن هناك خلاصاً قريباً. فالديمونولوجيا ليست ظاهرة عابرة، بل مصدر طاقة نفسية وسياسية لجمهور واسع يشعر بفراغ المعنى في عالم سريع التغيّر. هذا الجمهور يجد في خطاب الظل ما يشبه “التعزية السوداء”، على حدّ تعبيرهما: معنى مشتقاً من الشعور بأنك في معركة تاريخية. ولهذا فإن الحقائق لا تهزّه، ولا الحجة العلمية تحرّكه، لأن ما يعطيه القوة ليس المعرفة، بل الاعتقاد بأنه من جنود الله في حرب كونية.
في نهاية المطاف، يقدم إنجيل الظل واحداً من أكثر التحليلات عمقاً للحظة الأميركية، لأنه يكشف ما تحت السطح: ليس صعود شخص ولا حزب، بل صعود نظام معتقد جديد يبتلع السياسة والدين معاً، ويحوّل المجتمع الديمقراطي إلى قبيلة تحارب أشباحاً صنعتها هي نفسها. وما دام العدو غير موجود فعلاً، يمكن للحرب أن تستمر إلى ما لا نهاية.
الكتاب إذن شهادة على أزمة معرفية وروحية يعيشها الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة، حيث لم يعد الصراع سياسياً بل وجودياً، ولم تعد الحقيقة تُبنى بالحجّة بل بالإحساس. وفي هذا السياق يصبح “الليبرالي” شيطاناً، لا لأنه كذلك، بل لأن النظام الرمزي يحتاجه ليستمر. وهنا يكمن الخطر الأكبر: إن الولايات المتحدة لم تعد منقسمة بين يسار ويمين، بل بين من يعيش داخل إنجيل الظل ومن يعيش خارجه. وبين هذين العالمين، أصبح الجسر هشّاً إلى حدّ يكاد ينقطع.
