انتحار السعودية في اليمن ..

عمر معربوني – كاتب وباحث لبناني في الشؤون العسكرية خريج الأكاديمية العسكرية السوفياتية .

مرّة جديدة تُثبت مسارات الحرب الطاحنة التي أُطلِقت على المنطقة أن عامل الحسم الأساسي هو العنصر البشري ليتبّين ايضاً عقم العقل التخطيطي المعادي في عدم فهم طبيعة المقاتل العقائدي الذي يواجه الهجمة ما يأخذنا بإتجاه التأكيد على تكرار إجترار سوء تقدير الموقف الذي يعكس نفسه هزائم متتالية لقوى محور الهجمة .

امّا ماذا نعني بسوء تقدير الموقف فالمسألة مرتبطة بالتقدير الكلاسيكي او التقليدي الذي يتِّم تدريسه للقادة العسكريين عندما يضعون الخطط والذي يعتمد بشكل اساسي على عاملي القوى والوسائط والتي يجري وضع جداول تبيان تبيِّن حجم القوى البشرية الصديقة والمعادية وحجم الوسائط القتالية المختلفة ومن بينها المعدّات القتالية والوسائط النارية وكافّة وسائط الحرب الحديثة وإجراء مقارنة بين حجم قوى الصديق والعدو والبناء عليها .

وعلى الرغم من أنّ قوى الهجمة وعلى رأسها أميركا عمدت بعد هزيمتها في العراق بسبب العمليات المستمرة عليها اعتمدت نمط القتال بمجموعات محلية او وافدة وادخلت الحرب في عصر حروب الجيل الرابع بقيت مسألة المقاتل هي المسألة الأساسية التي لم يتِّم فهمها والتعامل معها بدقّة حتى اللحظة واعني بها عقيدة المقاتل العقائدي التي تشكّل عامل التفوق الأساسي لقوى محور المقاومة على الرّغم من أن أميركا دفعت الى ساحات القتال مئات الآف المقاتلين من ذوي التوجه " الجهادي " ولكن الآليات التي اُعتمدَت بقيت قاصرة عن تحقيق عامل التوازن وليس الإنتصار فحسب لأن النتائج المرتبطة بالصراع كشفت أنّ الغالبية الساحقة من " الجهاديين " الذين دفعتهم أميركا الى ساحات القتال هم من المرتزقة الذين تمّ ترغيبهم بالمال والنساء ضمن عنوان خادع كبير هو " إقامة الخلافة " ، وآخر الهزائم لنموذج المرتزقة شاهدناه في اليمن خلال معركة نصرٌ من الله بمرحلتيها الأولى والثانية حيث استطاعت وحدات الجيش اليمني ان تُخرج من الخدمة ثلاثة الوية من قوات الفتح التي تديرها السعودية إضافة الى العشرات وربما المئات من الضباط والجنود السعوديين الذي يتولون مهام قيادة هذه القوات ومن ضمنهم ضباط الميدان وسائقي العربات وموجهي الطائرات الحربية واسلحة المدفعية ووحدات الإشارة وغيرها .

وإنطلاقاً ممّا تمّ عرضه من مشاهد في المرحلتين الأولى والثانية لمعركة نصرٌ من الله يمكن الإستنتاج أن نتائج المعركة الموضعية التي حصلت على بقعة قتال محددّدة ضمن مسرح العمليات الشامل شكّلت إضافة ذات منحى إستراتيجي في تحولات الحرب برمّتها والتي تُنبيء بسقوطٍ كبير لقوى العدوان بعد أن استنفذت هذه القوى استهداف كامل بنك أهدافها الذي تكرّرت الضربات عليها مئات المرّات وباتت عمليات القصف الجوّي مجرّد فعل عبثي أخذ منذ بداية الحرب ولا يزال منحى إجرامي من خلال إستهداف عناصر البنية التحتية لليمن إضافة الى المجازر المستمرة والتي لم تتوقف من خلال إستهداف المدنيين الدائم .

منذ البداية ورغم أنّ اليمن تعرض لحصار خانق ولا يزال ورغم ان السعوديين اعلنوا أنّ حسم المعركة بمواجهة الجيش واللجان الشعبية سيحتاج لأسابيع وربما اشهر في الحد الأقصى تأتي النتائج بعد مرور خمس سنوات تقريباً مغايرة لما تمّ التخطيط له لا بل على العكس بدأ يأتي بنتائج معاكسة عمّا ارادته السعودية ؟

ومن خلال متابعة سير العمليات يبدو واضحاً ان قرار المدافعين عن اليمن كان الصمود والثبات وهو ما الزمهم القيام بتنفيذ مجموعة من الإجراءات القاسية كان أولها تنفيذ إعادة تموضع على الجغرافيا يتناسب مع حجم القوى لتحسين شروط المُدافعة في مراحلها الأولى .

ترافق ذلك بالتخطيط لجعل الحرب حرب استنزاف لقوى الهجمة حملت عنوان الصبر الإستراتيجي في دلالة على طول مدّة المواجهة والعمل على رفع مستوى الوسائط القتالية التي شملت عمليات تطوير للصواريخ التي كانت بحوزة الجيش اليمني حيث شملت المرحلة الأولى من الحرب على وضع مخزون الصواريخ بعيداً عن ضربات السلاح الجوي ومن ثمّ البدء باستخدام الصواريخ بعد إجراء تعديلات عليها وخاصة صواريخ الدفاع الجوي من طراز سام 2 وسام 3 التي تمّ تحويلها الى صواريخ ارض – ارض .

المرحلة الثانية كانت بامتياز مرحلة الدخول الى التصنيع المحّلي والذي شمل صواريخ ارض – ارض والطائرات المسيّرة بكل انواعها وهي الأسلحة التي غيّررت وجه المعركة وهدّدت ولا تزال العمقين السعودي والإماراتي باستخدامها بشكل متدرج يتناسب مع حاجات الميدان والسياسة .

وإن كانت العمليات بالطائرات المسيّرة والصواريخ قد أثّرت في موازين القوى وساهمت في ارسال رسائل قاسية مسّت هيبة قوى العدوان على المستويين السياسي والإقتصادي اضافة للمستوى العسكري فقد ارسلت عملية نصر من الله الأخيرة رسالة اقسى لجهة تمكُّن وحدات الجيش واللجان الشعبية من ارسال رسالة تحمل في دلالاتها مقدّمات وبداية انتهاء الحرب على اليمن وظهر فيها المقاتل اليمني كقوّة اساسية في حسم المعارك سواء لجهة التخطيط الهاديء والدقيق او لجهة امكانياته الذاتية المتمثلة بالصلابة والصبر والإيمان بأحقية القضية التي يقاتل من أجلها .

وعليه فإنّ استمرار السعودية في حربها على اليمن سيكون بمثابة الإنتحار وسيؤدي الى سقوط مريع للسعودية تؤكده غالبية مراكز الدراسات والخبراء والمراقبين انطلاقاً من مسارات الحرب ونتائجها التي باتت في عناوينها الأساسية لمصلحة الجيش واللجان الشعبية وهو ما يجب ان يُلزم السعودية على البدء بالتفكير الجدي للدخول في مفاوضات تنقل المواجهة من المسار العسكري الى المسار السياسي وهو الأمر المستبعد حالياً بسبب حالة المكابرة التي تعيشها القيادة السعودية على الرغم من حجم الإنتقادات داخل المملكة وخارجها لسلوك محمد بن سلمان بشكل اساسي ودعوته الى التفكير بتعقل بعيداً عن الإستكبار والمكابرة للحفاظ على السعودية ككيان في صيغته الحالية والخروج من حالة الخسارة المستمرة الى حالة تثبيت الخسارة عند الحد الذي وصلت اليه .