الحكمة والتخدير!...قصّة من بلادي...

كتبت ضياء عيّاد

لا شيء في هذا البلد المأزوم يشي بأنّ الأمور تسير بالإتجاه السليم، ولا سلامة في كل ما يقال، ولا سلامة حتى في السياسيين الذين يبدّون مصالح طوائفهم وأحزابهم وحاشيتهم وزمرهم وشيعهم على حساب أمن الوطن واستقراره.

"الحُكْم نتيجة الحِكمة، والعلم نتيجة المعرفة، فمن لا حكمة له لا حُكْمَ له"، ولكن الحكمة "رحمة الله عليها" غائبة في بلاد الأرز، فالكلّ يغنّي على ليلاه، والكل "حكيم" والمواطنون "مخدّرون"، والكلّ يتهمّ القضاء بالتسييس، والكلّ يدّعي احترام الدستور، والكل يتهمّ الآخر بمخالفة القوانين، والكل يدّعي عدم الإنجرار للفتنة، والكل يقول أشياء تعيي من يسمعها، حتى يكاد "المجنون" أن يقول: "اعتقوني".

لقد استعادت قضية قبرشمون المشهد الطائفي المتوتّر المشحون الذي كان سائداً منذ عقود خلت، فالشلل يصيب العمل السياسي منذ وقوع الحادثة، من رأسه إلى ساسه، والبلد متشنّجٌ حتى "العظم"، والطائفية تنخر حتى العقل، والوضع الإقتصادي قاب قوسين أو أدنى من الإنهيار، والإتّهامات تساق بين الأفرقاء الذين يربطهم مجلساً نيابياً وحكومة تحمل شعاراً (حكومة إلى العمل) يبتعد كلّ البعد عن أفعالها، اتّهامات مرتفعة السقف، و"الكل ناطر بعضه على دقرة".

كانت القضية في البداية عبارة عن مشكل بين فريقين من طائفة واحدة، ومع المماطلة في حلّ القضية وعدم تركها لمسارها القضائي اللازم، سرعان ما تحوّلت إلى مشكلة متشعّبة، قد تغرق البلاد بحمام من دم لا زالت رائحته تفوح حتى هذا اليوم، فقد كان الحزب التقدمي الإشتراكي قاسياً جدّاً في الإتهامات التي ساقها لهما، وجاء محمد الحجار، النائب عن كتلة المستقبل النيابية في حديث صحافي، ليشعل الموضوع باتّهام الرئيس ميشال عون أيضاً بأنه أصبح طرفاً في القضية، وكذلك فعل باسيل عندما ردّ بلغة عالية السقف، أما الحزب الديموقراطي اللبناني فهو متمسّك أيضاً بتحويل حادثة قبر شمون إلى المجلس العدلي.

وما زاد الطين بلّة دخول الولايات المتّحدة الأميركية على خط قضية قبرشمون، وتدخّلها الذي اعتبر "سافراً" في شؤون لبنان الداخلية، وفي هذا الحال القرار هنا للقوى السياسية وكيفية تعاملها مع بيان السفارة الأميركية.

عنادٌ يسود المشهد السياسي، والعناد لا يحلّ مشكلة، أمّا العقدة التي يصعب على ما يبدو فكّها، تكمن في النفوس والعقول على حدّ سواء، والناس "مخدّرة" وتحرّكها الغرائز الطائفية التي تمنعها من النزول إلى الشارع من دون قرار مسبق من المرجعية السياسية لطائفتها، لذلك فإن كنت تريد أن تعرف أي شعب في العالم أنظر إلى من يمثّله وبعدها سوف تعرف أي الشعوب يستحق رمي الورود عليه أو أيّ خيار آخر.