الإنسحاب الإماراتي من اليمن مابين التكتيك والاستراتيجيا ...كتب مبارك بيضون

ما هي أسباب الإنسحاب الإماراتي؟وهل تترك حليفتها السعودية ؟ وهل يندرج هذا الإنسحاب ضمن إطار التكتيك أم الإستراتيجيا؟

أدرك المعنيون في دولة الإمارات العربية المتحدة أن ما يجري في المنطقة منذ سنوات ما هو إلا مخطط وضعت خارطته الإدارة الأمريكية. وتتجلّى فحوى هذه الخارطة في أن تبقى المنطقة بتخبط دائم لا يهدأ ولا يستكين، بداية بسوريا والمملكة العربية السعودية والإمارات واليمن، بالإضافة إلى توزيع القوى الضاربة في تشكيل أمني كان ينتشر في كل أنحاء المعمورة، ليعاود الإنتشار براياته السود المظلمة، تحت مسمى "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش).

كان الهدف آنذاك القضاء على سوريا، فدمرت سوريا، وكان الهدف أيضاً إزاحة الرئيس الأسد فبقي ولم يسقط، لا بل صمد وأعاد غالبية المناطق التي كانت تسيطر عليها هذه القوى المدعومة من غالبية الدول في العالم، وفعلًا كانت حرباً قوية على سوريا بمواصفات عالية، استعملت فيها كل المحرمات ولم تسقط سوريا!

تطورات غريبة عجيبة.. مَن كان "مع" أصبح "ضد"، ومن انتصر في البداية هزم في النهاية، وللأسف راح ضحايا أبرياء على حساب تكهنات دولية، لمن يعتبر نفسه أن القرار بيده وحده في تغيير الشرق الأوسط الجديد، وفي كل مرة تحت عناوين ومسميات مختلفة، وكان الهدف المعلَن دائمًا يبقى من أجل الحفاظ على دولة أدخلت نفسها بين مجموعة دول، لتكون الشغل الشاغل والهم الأكبر للحفاظ عليها، وكأنها كما تقول عن نفسها: إنها الدولة من خلال ما تسمي نفسها (شعب الله المختار).

ألم يحن الوقت لندرك أن كل ما نحن فيه من بلاء وتخبط وتشرذم وانقسام يأتي من دولة سرطانية قامت على اغتصاب الأرض وقتل الأبرياء ومحاولة الإمتداد باتجاهات مختلفة، مستفيدة من التفرقة بين المكونات العربية والإسلامية، مرة بزرع الفتنة، ومرة أخرى بإيجاد الصراعات بين الدول العربية من جهة، وبين الدول العربية والإسلامية من جهة ثانية، من دون جدوى ولا فائدة.

ويبدو أن الخطوة الإماراتية إن صحّ حصولها قد يكون لها وقع إيجابي في المرحلة المقبلة، حيث ستنتقل العدوى إلى دول عدة لتعيد حساباتها من أجل الابتعاد عما يحصل من تغيير في قواعد الاشتباك الإقليمية، على وقع المواجهة الإيرانية الأميركية، فالإدارة الأميركية أظهرت أنها تراقب عن كثَب، ومنذ فترة، المجريات العسكرية في المنطقة، وقد تبيّن لها أنه ليس متاحاً الإستمرار أو البقاء في اتخاذ إجراءات بعيدة عن استغلال دول الجوار لمآربها ومآرب الكيان الصهيوني، من دون السيطرة على هذه الدول لإبقائها داخل الصراع في المنطقة. لذلك ربما بدأت الدول تعيد حساباتها، وعلى رأسها الإمارات العربية المتّحدة مع انفتاح الديبلوماسية العربية العمانية وغيرها من المبادارات، التي قد يكون لها وقع كبير على المنطقة، من أجل الوصول وإعادة التموضع العسكري في جبهات القتال الدائرة، والتي تستنزف كل المقومات التي تعتبر إرثًا، لا ينبغي التفريط فيه، ولا اللجوء إليه.. إلا في حالة الدفاع عن النفس.