زعيم في محل ملابِس. ... كتب روني ألفا

بوراك الممثِّل التّركي زارَ أحد محلات الألبسَة في لبنان. الأرجَح أنه منوِّم مَغناطيسي أكثر منه ممثِّل. رأينا في التسعينات هستيريا مماثِلَة أثناء زيارَة لِمشعوِذ إسمه الأب تارديف. المتقدّمون في العمر ممن لا حساسيَّة لديهم في كشف أعمارِهم يتذكّرون تارديف جيّداً. يَومها أقامَ المُقعَدين وأزالَ الأورامَ السرطانيَّة وحَلحَل عِقَدَ المَصارين وشَفى المَكفوفين بلمسَةٍ من يَدِه. كادَ تارديف يومَها يلمّ أذُنَ أحد العبيد التي بترها بطرس ويعيدَها إلى مَكانِها. بسرعة قصَفَته الكَنيسَة مَشكورَة وردّته إلى كَنَدا.

منذ التسعينات يفضِّل اللبنانيون المشعوَذين عَلى السياسيين والسّحَرَة على العلماء ولاعِبي جمباز السيرك على الكتّاب والمفكّرين. أخالُ بوراك نفسه في خلوةٍ بينَه وبين ذاتِه يسأل: ما خطبّ هؤلاء القَوم؟ لا أنا حَفيد أتاتورك ولا وَريث غاندي ولا زَميل الدلاي لاما.

الشّعب اللبناني يبحَث عن قائِد. هذا كلّ ما في الأمر. لا بأس إن أتاهُم من البوسفور أو مِن حَضارَة المايا. شعبٌ باتَ أسيرَ فَناجينَ التبصير والمسلسلات التركيَّة وأولادَ الحارَة. شعبٌ باتَ يؤمِنُ بالمهرِّجين الذينَ يمشون على الحِبال ويروّضون الأسود . شعبنا صارَ من أتباع الساحِر ميكي واللطيفة ليلى عبد اللطيف في ظلّ غياب القادة من أدباء وشعراء وعلماء وقادة رأي.

بالتأكيد أكبَر مظاهَرَة ستَكون تلك التي يَدعو إليها بوراك. بيدَه مَفاتيح السياسة اللبنانية. فاتَ أحزابُنا منحه بِطاقَة شَرَف للإنضمام إليها كادراً مميّزاً وقِطباً فاعِلاً ومُشيراً أين منه المشير حَفتَر.

بوراك باتَ أبرَز من يلمّ شَعبَنا المَقهور. بوراك أقوَى من ثلاثية الشعب والجيش والمقاوَمَة. صُوَرُهُ سَترشَحُ زيتاً في بيوت الناس. فليَختَرِع أيّ منَا أي تَعويَذة. أي شَعوذَة. أي جلسَة لِتَحضير الأرواح. سيكون بوراك أقوَى منها مجتمِعَة. بوراك زَعيم تلفزيوني على شعب سينمائي بإمتياز. أطالِب الدّولَة بإدراج بوراك التركي ضمن المؤهّلين لِنيل الجنسيَة اللبنانيَّة فقد تبيَّن أنه زَعيم من أصل لبناني. جدّه يوسف بك كَرَم ويتحدّر من سلالَة فينيقيَّة ضارِبَة في التاريخ. شعبيّته الساحقة تدلّ من دون ريب أن اللبنانيين يتابعونه أكثر من متابعتهم لإقرار الموازنة وخطّة الكَهرباء. بوراك أكثَر شيوعاً من النّرجيلَة. أكثَر فاعليَّة من البانادول ومَن دون أعراضٍ جانبيَّة. يأخذه الأطفال مَع السيريلاك. بوراك أفضَل من حبوب الكِبتاغون وأكثَر فاعليَّة من الليكزوتانيل.

منذُ أكثَر من ثلاثينَ سنةً فقدَ اللبنانيَّون مثالاتِهم العليا. صاروا على تماس مَع مِثالات دُنيا . اليَوم بوراك. غَداً أي ممثِّل أوكراني أو كازاخِستاني أو هِندي. كلّ جنسيات العالَم تتنزّهُ في أعصابِنا. نصنَعُ منها رؤساء ووزراء ونواب وقادَة.

بورِكَ بوراك القائد المُلهَم الذي إذا تفوّهَ مغنَطَ شعباً بِكامِلِه وإذا تبسَّمَ سبّبَ هستيريا جَماعيَّة. شعبُ لبناني بغالبيَّتِه السّاحِقَة مَحصور في محَل ملابِس. داخِل مول. يَبكي مُهسَتراً بانتِظار إلهٍ من وَرَق وقائِدٍ من أوهام.