السيادة الوطنية.. والعيش المشترك

رفعت إبراهيم البدوي

سياسيون ورؤساء أحزاب وزعماء طوائف ومذاهب… جميعهم يعلنون الدفاع عن سيادة الوطن. يطلقون من حين لآخر تصريحات رنانة تدعو للتمسك بوحدة الوطن وبوحدة أراضيه وعدم التفريط بها مهما كانت التضحيات، حفاظاً على السيادة وضماناً لوحدة أراضيه وصوناً لحرية واستقلال لبنان.



لكن لبنان يصرخ في وادٍ سحيق رفضاً لممارسة هذا الهراء السياسي والحزبي الحاصل، الفارغ من مضامين شعارات صارت بالية ممجوجة ثبت زيفها وعريها بعد أن حولت إلى مستنقع نفايات الممارسة السياسة الآسنة، الأمر الذي جعل لبنان عبارة عن غابة يستوطنها العسس، أو تحتوي جيفة مهترئة تنفث رائحة الفساد وتنهشها زمرة من مسؤولين ينتمون إلى أحزاب فاشلة، لا فرق بينهم وبين قطيع من وحوش الغابة المفترسة، يجمعهم قاسم مشترك بامتلاك نفس الأنياب والمخالب، إضافة إلى إتقانهم حرفة المكر و اصطياد الفرص والسطو على حقوق الغير، وإذا لزم الأمر فلا مانع ولا رادع من الجنوح نحو القتل المتعمد بغياب تام للضمير الإنساني، بحيث لا يمكن التفريق بينهم وبين وحوش مفترسة في غابة موحشة إلا من خلال الثياب المستوردة وياقات القمصان و ربطات العنق والأحذية اللماعة.



المسؤولون في لبنان يتبجحون دفاعاً عن السيادة الوطنية وضرورة حماية لبنان من أي تدخل خارجي من أجل الحفاظ على القرار اللبناني المستقل، فيما هم أنفسهم يجمعون على تقاسم القرار السيادي اللبناني ويجهدون لإقحامه في محاور إقليمية دولية متناقضة، تراهم ساعون إلى رهنه عن عمد وتجييره لمصلحة الدول والمحاور الداعمة لهم، كل حسب أجندته الخاصة، حتى وإن أدى هذا الرهن والتجيير للإطاحة بسيادة لبنان، غير آبهين بالمصلحة الوطنية. تراهم في سعي حثيث لتأمين مصالح دول خارجية وان كانت تتناقض ومصلحة الوطن. همّهم الوحيد هو البحث عن السبل الكفيلة بحماية مصالحهم الشخصية، واستمرار نفوذهم، وإبقائهم في المشهد السياسي والحزبي، حتى وإن ثبت أن وجودهم في السلطة أضحى سبباً رئيسياً في زيادة مأساة تمزيق الوطن وتفتيته، وتحويله إلى أوطان طائفية ومذهبية، متستّرين بشعار "حرصاً على العيش المشترك".



المسؤولون في لبنان نصّبوا أنفسهم رُسُلاً من واحد أحد، أو ملائكة منزّلة أوصياء على البشر، حرّاس الطائفة أو المذهب، ونسوا معنى الوطن. تقاسموا الشاطئ والرمل والجبل وحتى الحجر. ارتكبوا المحرمات والموبقات بأبشع الصور. أوغلوا في نحر وتقسيم الوطن، فصار لكل واحد منهم منطقة أو قطعة من وطن مسيّجة بالطائفية والمذهبية، وممنوعة على أبناء طائفة أخرى في الوطن. ولا عجب لو كان السبب أنهم لا ينتمون إلى طائفة بعينها، وذلك تحت شعار "حفاظاً على العيش المشترك"!



ثبت بالوجه الشرعي أن المسؤولين، الأوصياء، الرسل، الملائكة، حراس الطوائف والمذاهب، هم عبارة عن ثلّة من المنافقين، همهم الوحيد غسل عقول أهل الطائفة وأبناء المذهب، وتخويف طوائفهم ومذاهبهم من طوائف ومذاهب أخرى ولو كانوا إخوة في الوطن.



كيف يمكن لمن يدّعي الدفاع عن السيادة الوطنية والحرص على العيش المشترك، السكوت عن تقاسم مناطق الوطن وإعلانها محظورة على باقي الطوائف، في ما يشبه التطهير الطائفي أو المذهبي تحت شعار "حرصاً على العيش المشترك"؟!



كيف يمكن للمسئولين اللبنانيين، ممن أقسموا الحفاظ على سيادة لبنان وعلى وحدة أراضيه وحماية العيش المشترك فيه ونبذ كل الممارسات الطائفية والمذهبية والالتزام ببنود الدستور اللبناني، السكوت عن ممارسات بعض الأحزاب اللبنانية التي تفرض على أبناء الوطن الحصول على إذن مسبق، أو على "تأشيرة" مصدّقة قبل عبور أو دخول منطقة معينة من لبنان، بحجة وجوب الدخول من الباب وليس من الشباك؟!



كيف يمكن للمسؤولين اللبنانيين بلع ألسنتهم والسكوت عن إعلان رئيس بلدية منع مواطنين لبنانيين من السكن في نطاق منطقة لبنانية معينة لأنهم أبناء طائفة أخرى؟!



واللافت أن رئيس البلدية نفسه أعلن وعلى الملأ، أن قرار المنع تم بالتشاور والتوافق مع الرؤساء الثلاثة.. وأيضاً



"من اجل الحفاظ على العيش المشترك"!



إن العيش المشترك في لبنان تحول إلى عيش بالإكراه، أما المشترك فهو التغول في ممارسة الطائفية والمذهبية والشراكة في تقسيم الوطن إلى دويلات عرقية ـ طائفية تُمارس فيها أبشع أنواع التطهير الطائفي، وبموافقة فاضحة ممن يدّعون الحرص على تحالف "العيش المشترك"!



أما السيادة الوطنية، فقد جعلها المسؤولون موسمية، تترنح حسب متطلبات تحصين الحقوق الطائفية والمذهبية، وغيّبوا عنها صفة السيادة الوطنية، فتارة تنتفض الطوائف والمذاهب لحقوقها لتختفي معها السيادة الوطنية وحقوق الوطن كل الوطن، وتارة أخرى تسود علينا إرادات الدول فتخترق السيادة من عدو إسرائيلي يغتصب ملايين الأمتار من مياه وثروات وقرى بأكملها، ويجعل من سماء ومياه الوطن منصة لإطلاق صواريخ معادية ضد دولة شقيقة اسمها سوريا، فلا مستنكر ولا مشتكي، وتختفي السيادة وألسنتهم تبتلع عن سابق تصور وتصميم، ويُستباح استقلال لبنان وسيادته تحت شعار النأي بنفسٍ تعودت العنصرية، أو بحجة عدم الإخلال بالتوازنات والتفاهمات الطائفية الموالية أصلاً لدول خارجية!



لا غلو في القول إن ما وصل إليه الوطن هو صنع وحوش متنكرة بهيئة بشر صوروهم لنا كملائكة، أما الحقيقة فهم مؤسسو آفة المذهب أو الطائفة هم بلا إنسانية، وبلا ضمير، ولا وطنية، ولا كرامة، ولا حرية، بل هم عبيد للمال والحجر ولو على حساب الوطن، ولو حصدوا أرواح البشر.



في لبنان يُنَصّب الديك فيه صيّاحاً على منطقته أو على طائفته ومذهبه. ينسب الإنجاز لحزب أو لطائفه أو لمنطقة بعينها، أو للديك المسؤول، ولا يذكر معه اسم الوطن. هذا يعني أننا لسنا في وطن وإنما نحن أشبه بمستوطنين على رقعة من أرض مزروعة بالأحقاد تتغذى بالتعصب الأعمى والكره المتبادل بين الطوائف والمذاهب.



انتصر الديوك وصاحوا "لقد نجحنا في إنهاء زمن العيش في الوطن، ولنعترف بأننا أصبحنا عبارة عن شعوب ومذاهب وطوائف تقتسم قطعاً من أرضٍ كانت في أغنية "قطعة سما".