كلمات لا بد منها.......كتب المحامي هاني الاحمدية

بدأ الاعتكاف القضائي لمواجهة السلطة ومنعها من المس بمكتسبات القضاة،

تصاعدت وتيرة المواجهة وتدخل مجلس القضاء الأعلى لقمع الاعتكاف (على قاعدة الترغيب والترهيب).. بالتالي ظهر مجلس القضاء وكأنه يتكلم باسم السلطة او بايعاز منها، فتم تصعيد الموقف ليصل الى مستوى طرح موضوع الاستقلالية (عبر اخراج ميزانية القضاء من الموازنة الجاري مناقشة بنودها باعتباره سلطة مستقلة أي المطالبة بالاستقلالية المادية) فكانت ردود تتعلق بأن الميزانية العامة للدولة تتناول كافة السلطات وان سياسة التقشف ستطال الجميع رغم سقوط مناقشة مكتسبات الرئاسات والوزراء والنواب!! عندها طرحت الاستقلالية الكاملة والناجزة للقضاء وهذا مطلب محق وضروري لولوج طريق الإصلاح في البلد على كافة المستويات.

للأسف المعركة المفتوحة مع السلطة هي معركة غير متكافئة، يخوضها مجموعة من القضاة الأحرار بمؤازرة من بعض الاحرار من العاملين في مرفق العدالة، بمقابل جحافل من السياسيين وأزلامهم في السلطة القضائية نفسها وخارجها!

ولأن الاعتكاف أضر بمصالح البعض، بات رفض هذا الإجراء يوسم صاحبه بأنه رافض لاستقلال القضاء، كما أمسى من يطالب باستقلال القضاء متهما بتعطيل البلد ومصالح الناس!!

ليس خافيا على احد ان الاعتكاف هو وسيلة،

بينما استقلال السلطة القضائية الكامل هو غاية.

واذا كانت الغاية تبرر الوسيلة في الكثير من الأحيان وحتما في السياسة، الا ان هذه الوسيلة يجب ان تكون مشروعة، وبرأي الحقوقيين قاطبة فان الاعتكاف هو من الوسائل المباحة والمشروعة كما وباعتراف الجميع ممن يؤمنون بحقوق الانسان وسعيه لتحقيق مطالبه بالوسائل السلمية.



للأسف، حتى اللحظة لم تحقق هذه الوسيلة أي تقدم ملموس في طريق الاستقلالية المنشودة، ليس لعدم فعالية هذه الوسيلة بل بسبب انعدام أخلاق أهل السلطة واتباعهم، ورهانهم الكبير على اصطدام من يطالب بالاستقلالية بمصالح الناس عامة والمحامين خاصة، وبالفعل فقد انبرت نقابتي المحامين لرفض الاعتكاف، وكذلك فعل الكثير من الزملاء رغم تأكيدهم على مبدأ استقلال القضاء الكامل والناجز عن السلطة السياسية.

غداً، يقترب الاعتكاف من نقطة الحسم بالتزامن مع الاجتماع القضائي المزمع عقده في القاعة الكبرى لمحكمة التمييز.. أسئلة عديدة تطرح منذ الان: هل سيتم تعليق الاعتكاف؟ او التمسك باستمراره لتحقيق حد ادنى من المطالب على طريق الاستقلالية؟؟ ما تأثير المقررات على هيبة القضاء؟؟ هل سيفسر تعليق الاعتكاف بأنه نجاح للسلطة في اجهاض تحرك القضاة؟؟ علما ان السلطة لم تواجه هذا التحرك الا باللامبالاة!! هل أعطيت وعود إيجابية من قبل النواب ومجلسهم بإخراج القضاء من دائرة الاستهداف في الموازنة؟ علما انه لا ثقة بمجلس نواب لا يختلف في مكوناته عن مكونات الحكومة؟؟ والسؤال الأهم: ما هي البدائل عن الاعتكاف المتمادي الذي سيزيد من نقمة المتضررين ويضعف قضية الاستقلالية الكاملة؟؟

باعتقادي انه لا يوجد بدائل حقيقية وفعالة عن الاعتكاف الذي لا يزال الخيار الإرادي الأكثر تأثيرا، كما انه لا يحتاج لمساهمة أي من الآخرين في تحقيقه، وان كان يفتقد لبيئة حاضنة توفر له الدعم الكافي. وباعتقادي أيضا ان تعليق الاعتكاف سيكون نجاحا لمواقف السلطة السلبية وحافزا لها للتمادي في قضم الحقوق. وأيضا سيوفر فرصة لكل طامح للتهجم على القضاء والقضاة.



أما اذا قدّر ان يعلق الاعتكاف لأي سبب يراه القضاة، وآمل لن لا يكون سوى لرحمة الناس او لاحقاق الحق، فلا يسعني سوى القول: للباطل جولة وللحق دولة، وأنه لا يضيع حق وراءه مطالب.

وهذا الموقف لن يعلّق الاستمرار في معركة تحقيق الاستقلالية والتي تحتاج فعلا الى:

١- خلق نواة من الصادقين تعمل على مد جسور التواصل مع القوى الفاعلة المحلية والدولية المتضررة أصلا من عدم استقلالية السلطة القضائية وفي المقدمة يأتي المحامون ونقاباتهم، ثم باقي المكونات المناهضة للفساد، وذلك لتشكيل رأي عام فاعل وضاغط لتحقيق هذه الاستقلالية.

٢- ايجاد الآليات فاعلة لمنع التدخل في القضاء، كمقاضاة كل سياسي او سمسار يتدخل في عمل القضاء، او منع الدخول الى قصور العدل لكل من ليس له عمل وعلى رأسهم السياسيين وأزلامهم، وباختصار كل اجراء يحد من استقلالية القاضي او يؤثر في عمله المعتاد.

٣- ملاحقة كل من يخل بالقوانين والانظمة مهما علا شأنه، وكل من يعرقل سير عمل القضاء من ضابطة عدلية او سواها، وكل من يمتنع عن تنفيذ قرار قضائي، ففرض احترام القرارات خطوة ضرورية لفرض الهيبة ونيل الاستقلالية.

٤- اعتماد سياسة الأبواب المفتوحة لتلقي شكاوى الناس ومراجعاتهم وفي مقدمتهم المحامين، وارساء العدل فعلا لا قولا فقط، فطالب العدل لا يرد خائبا مهما كانت الأسباب.

٥- التشدد في تطبيق النصوص المتعلقة بالمهل القضائية، كمهل التوقيف، ومهل التبادل، ومهل المحاكمات، فالعدالة المتأخرة عدالة ضائعة.

٦- تعويض الناس عن إذلالهم في اروقة قصور العدل وعلى أبواب الزعامات والسياسيين، وفي المخافر والسجون، بمنحهم آذانا صاغية وبانصافهم قدر المستطاع، فكلما انتشر العدل زاد الداعمون للقضاء ولاستقلاليته.



ان الاستقلال لم يكن يوما منّة من أحد، ولن يكون.

ان الاستقلال دونه تضحيات جسام لا بد من بذلها.

ان الاستقلال دوما هو لخير الناس ومنفعتهم، ولكرامتهم قبل كل شيء.



مستمرون في مكافحة الفساد والإفساد، وفي معركة استقلال القضاء، فلا إصلاح دون قضاء مستقل، ولا وطن دون عدالة عمياء.