وصفة اصلاحية ... منتهية الصلاحية !! ِِِِِِ كتب رفعت البدوي

لم يأت التئام اللقاء الثلاثي بين الرئاسات الثلاث في قصر بعبدا لمجرد التقاط الصور، أو للإيحاء بوجود تطابق في وجهات النظر حول إقرار الموازنة بكامل بنودها. الحقيقة غير المعلنة هو أن السبب مرتبط بذلك الجو المشحون الذي رافق انعقاد جلسة لمجلس الوزراء المخصصة لمناقشة بنود الموازنة، مع بروز خلاف حول إقرار نسب الضرائب، وهذا ما يفسّر تعثّر استكمال النقاش داخل مجلس الوزراء، وتعذر اقرار الموازنة.



مما لا شك فيه، أن الاضرابات التي سادت مجمل القطاعات، أسهمت في دقّ ناقوس الخطر الداهم على لبنان، خصوصاً بعدما طالت بنود الحسم في مشروع الموازنة، رواتب شريحة واسعة من الموظفين، الأمر الذي قوبل برفض قاطع تم التعبير عنه بإعلان الاضراب في معظم القطاعات الحكومية.



إضراب موظفي مصرف لبنان سبب حالة من الإرباك في سوق القطع وارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء، ما اضطر المصرف المركزي للتدخل في سوق القطع للحد من الارتفاع الحاصل في اسعار الصرف، وإلى اتخاذ تدابير مصرفية احترازية عاجلة بتحديد سقف السحب من الدولار المسموح به، وذلك للحد من الهلع الذي اصاب المودعين. وهذا دليل واضح على وجود أزمة حقيقية نتيجة نكران المسؤولين وعدم الاقرار بمسببات الازمة، ما يبين مدى هشاشة المعالجة المتبعة.



الاجتماع الثلاثي في قصر بعبدا، حمل في طياته دلالات على خطورة الوضع الراهن في لبنان بعد تعرضه الى ضغوط دولية وإقليمية ومحلية، حيث بات الجميع أمام واقع جديد لم يشهده لبنان من قبل، تمثّل بضغط واسع غير متوقع من القواعد الشعبية، رفضاً لسياسات الهدر والسرقات والسمسرات الموصوفة التي أوصلت لبنان الى حافة الانهيار في العديد من مؤسسات وادارات الدولة.



كلام الرئيس سعد الحريري بعد اللقاء الثلاثي لم يكن مقنعاً، حيث أشار بكلامه الى اتخاذ اجراءات مؤلمة ستطال القطاعات كافة، مؤكداً على وجود أزمة حقيقية. لكن الرئيس الحريري لم يخبرنا عن الجهة او الشخصيات المسؤولة عن هذه الأزمة، كما أن الرئيس الحريري لم يفصح عن السياسيات التي كانت وما تزال متبعة، والتي أدت الى الوضع المزري الذي وصلنا إليه.

وهنا لا بد من طرح بعض الأسئلة:



هل القرارات التي تمخّضت عن الاجتماع الثلاثي، كفيلة بإنهاء الازمة، أم أنها ستكون قرارات جائرة وظالمة بحق الموظفين؟



هل كان مبرراً وصول الوضع في لبنان إلى ما وصل إليه من تردٍّ اقتصادي ومالي؟



هل الاجتماع الثلاثي جاء للقول: كفى للهدر والسرقة، وانه لم يعد مسموحاً الاستمرار بسياسات الاسفاف واستباحة مالية الدولة التي أوصلتنا الى هذا الدرك؟ أم انه جاء لتبرير سياسة اللف والدوران في حلقة مفرغة، وتجنّب المساس بالأموال المسروقة، والحفاظ على امتيازات المسؤولين، والدفع باتجاه تنفيذ قرارات ضريبية جائرة تفرض على المواطن الطيب؟



بصراحة، إن من كان سبباً ببلوغ لبنان إلى هذا المستوى من التردّي وصولاً الى حافة الهاوية، لا يمكنه ولن يكون بامكانه إصلاح ما أفسد.



ان الطبقة التي حكمت وشاركت بنهب ثروات الوطن، وما تزال مشاركة حتى اليوم، تعتبر المسبب الرئيسي للفساد والافساد بعدما أمعنت بالسمسرات والسرقات والهدر، وعن سابق تصور وتصميم، وهي طبقة اختبأت خلف طوائفها ومذاهبها لتبقى بعيدة عن المساءلة والمحاسبة. لذلك، فان مثل هذه الطبقة المفسدة لا يمكنها غسل أياديها الملطّخة من الإثراء غير المشروع، ولا يمكنها تبييض صفحاتها السوداء.



لقد بلغ السيل الزبى في لبنان، وتجاوز الظالمون المدى بعد إمعانهم في غيّهم، بعد تغولهم في هتك المصلحة الوطنية.



وطالما بقيت تلك الزعامات والشخصيات من ضمن الطبقة المتسلطة والحاكمة، ومستمرة بتربعها على عرش السلطة، فلا أمل بالإصلاح، ولا نيّة لوقف الهدر والسرقة. أولئك الذين فرّطوا بمقدرات الوطن، وأمعنوا في إذكاء الطائفية والمذهبية، وزرعوا الفتنة والتفرقة في نفوس ابناء الوطن الواحد على قاعدة فرّق تَسُد، وأوكلوا تنفيذ هذه المهمة لأزلامهم وصبيانهم، صوناً لاستمرار زعامتهم، وللحفاظ على مكتسباتهم، واستمرار المزاريب المدرارة.



لقد أضحى لبنان بحاجة إلى معجزة تنقذه من هذه الطبقة الفاسدة للإنسان وللإنسانية، والمفسدة للمجتمع وللقيم الأخلاقية.



ان المدخل الرئيس للإصلاح في لبنان هو اقرار قانون انتخابي جديد يقوم على اساس اعتبار لبنان كله دائرة انتخابية واحدة، واعتماد مبدأ النسبية، لأنه القانون الذي يلغي مبدأ الزعامات المختبئة بطوائفها ومذاهبها، ولأنه القانون الذي يولد من خلاله جيل جديد بالمفهوم الوطني وفي الممارسة الوطنية الخالصة البعيدة عن أي حسابات طائفية أو مذهبية.



ان نتائج التجربة الاخيرة للانتخابات النيابية كانت مريرة لأنها أعادت إنتاج الطبقة التي امتهنت التجارة بالأوتار الطائفية والمذهبية، وتاجرت بلقمة عيش المواطن الطيب. هي نفسها الطبقة التي أفسدت الانسان والمجتمع، وأفقرت البشر وهدمت الجبال والحجر مع سبق الاصرار والترصد.



إن أي كلام عن الاصلاح لن يكون نافذاً، لا بواسطة التقشف ولا بواسطة رفع نسبة الضرائب، أو بواسطة الاقتطاع من امتيازات ومدخول المواطن الطيب.



إن الاصلاح الحقيقي يكون بإعفاء وعزل كل الذين حكموا لعقود متتالية وشاركوا بصناعة الازمة من مناصبهم، وضمان عدم عودتهم للحياة السياسية، والعمل على استعادة أموال وأملاك الدولة المنهوبة، بعد الاعلان عن البيان رقم واحد، ذلك لضمان تنفيذ الإصلاح، وعودة الامل في إعادة بناء هرم التركيبة اللبنانية على اسس وطنية سليمة. عدا ذلك تبقى كل القرارات والمعالجات عبارة عن وصفة علاجية من دواء فاسد ومنتهي الصلاحية والفعالية لمعالجة مرض مزمن ومميت.



إن ما نشهده من اجتماعات ونقاشات لا يعدو كونه عبارة عن وصفة إصلاحية.. لكنها منتهية الصلاحية!