هولوغرام مكافحة الفساد.........كتب نبيل الجوهري

قلّة منا لم يروا الهولوغرام في المحال الكبرى او المطارات، و هو رسم متحرك وهمي ثلاثي الابعاد داخل شاشة كبيرة او مجسم طيفي ضوئي، يُخيّل للناظر اليه انه شخص طبيعي يتكلم و يتفاعل بينما هو مجرد مزيج من الاطياف الضوئية فارغ المحتوى. بنفس الرؤية يمكننا مقاربة ما درج على تسميته بمكافحة الفساد.

ان ما شهدناه خلال الآونة الاخيرة من مساءلة لبعض موظفي القطاع العام لا يغدو كونه ممارسات روتينية تقليدية في محاسبة اي مخطئ، فمن الطبيعي ان تقوم السلطات العدلية بمهامها في حال حدوث اية خروقات للقوانين و الانظمة في شتى المجالات، لكن الامر غير الطبيعي هو اطلاق مصطلح مكافحة الفساد على هذه الاجراءات.



ان مكافحة الفساد تقوم على وضع استراتيجية عامة للدولة هدفها الى جانب نشر الوعي الوطني، وقف الهدر و اعادة ما سُلب من المال العام و ضمان نظام حديث للادارة العامة يجنب البلاد تكرار حدوث الفساد، اما الهولوغرام الذي نشهده اليوم فهو قائم على تخفيض التكاليف العامة و زيادة واردات الخزينة لا غير، دون النظر الى اقفال منافذ الهدر، فأموال الشعب لا تعالج ثقوب الإناء.



لا شك انه يمكن، ان توافرت النوايا و الإرادة، رسم سياسات عامة مختلفة لمكافحة الفساد، قد يكون احد اشكالها عماده استقلال تام وحصانة للجسم القضائي، و تعديل قانون محاكمة الرؤساء و الوزراء و قانون الاثراء غير المشروع، اضافة الى وقف الهدر الحاصل في المال العام.



1- الاستقلال القضائي:

يعاني الجسم القضائي اللبناني من العديد من العقبات القانونية و التدخلات السياسية التي تعرقل مسيرته، تبدأ مع آليات التعيين من قبل السلطة التنفيذية و تستمر مع الضغوطات التي قد تمارسها السلطات السياسية و الطائفية عليه، اضافة الى عدم تأمين الحصانة و الحماية الكافيتين له.

فيكون بدء العمل لمكافحة الفساد، بالاعتراف بالسلطة القضائية كسلطة دستورية أولى تأتي قبل السلطتين التشريعية و التنفيذية، و ما يلي ذلك من فصل تام لهذه السلطات.



2- قانون محاكمة الرؤساء و الوزراء:

فان مجرد الادعاء على رئيس او وزير، حسب القانون الحالي، يتطلب توافق ثلث اعضاء مجلس النواب، و الاتهام يتطلب الثلثين، و كأننا امام تعديل للدستور.

لا بد من تعديل شروط الادعاء على الاقل ليصبح بامكان اية جهة عامة ان تقوم بالادعاء في حال لحظت مخالفات تستدعي ذلك كون الادعاء يتم في اروقة مجلس النواب، و من ثم اعتماد ثلث عدد اعضاء مجلس النواب مثلا لتوجيه الاتهام امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء و الوزراء، الذي أبصر النور منذ ايام قليلة.



3- قانون الاثراء غير المشروع:

قانون يلزم الشاكي بتقديم كفالة مصرفية بقيمة خمسة و عشرين مليون ليرة قبل تقديم الشكوى، ويغرمه في حال تقرر منع المحاكمة عن المشكو ضده او ابطال التعقبات بمبلغ لا يقل مئتي مليون ليرة و بالحبس من ثلاثة اشهر الى سنة اضافة عن حق المشكو ضده بالمطالبة بالتعويض.كما ان هذا القانون يحصر من له الصفة بالادعاء بناء على احكامه بالمتضرر، و لم يوضح من يعتبر متضررا من الاشتباه بالاثراء غير المشروع.

لا شك انه لا بد من اجراء تعديلات على القانون المذكور، ليكون قابلا للتطبيق و أحد ادوات مكافحة الفساد الفاعلة، بالرغم مما يتضمنه من احكام جيدة سيما في المادتين الاولى و الثامنة منه، اذ انه يشمل كافة اشخاص الدولة دون استثناء، كما انه لا يتأثر بالحصانات القانونية و السرية المصرفية، بل يتخطاها الى كل ما لا ينص على خلافه الدستور.



ولا ضرورة للاصرار على اصدار قانون جديد لالغاء السرية المصرفية عن المتعاملين بالمال العام امام وجود قانون ينص على ذلك، و تجاهل امكانية رصد ممتلكات المسؤولين العقارية او حصصهم و اسهمهم من الشركات التجارية التي يمكن الاستحصال على افادات عنها بكل سهولة من السجلين العقاري و التجاري، التي قد تضاهي قيمها ما يمكن ان يحوزه هؤلاء من اموال منقولة في المصارف.



4- وقف فوري لهدر المال العام بالعلن:

و غني عن البحث و التحري، الهدر الحاصل في كل من ايجارات المباني الحكومية و تلك الممولة من خزينة الدولة، رسوم الاستثمار الرمزية للاملاك العامة البحرية و البرية، رواتب موظفي بعض الادارات و المؤسسات العامة الخيالية، السياسات المتبعة بالتعامل من المصارف المحلية بالاقراض و الاقتراض، مخصصات الرؤساء و النواب و الوزراء السابقين. ان تم البدء من هذه القائمة الاولية، فتلك بادرة بعدم وهمية الحديث عن مكافحة الفساد.



لكل منا الحق بالعيش في دولة تحترم حقوقه الاساسية و تؤمنها له، و هذا يتم من خلال تضافر الجهود على المستويين الرسمي للدولة و الشعبي للمواطنين، الذين هم ايضا طرف اساسي في ارساء نظم الادارة او تجذير الفساد، كي لا تبقى كل المحاولات اطيافا فارغة المحتوى.