عزمي بشارة: مستقبل القضيّة الفلسطينية ومآلاتها في ظل الوضع الراهن

ننشر لكم نص المحاضرة العامة التي ألقاها المفكر العربي، د. عزمي بشارة خلال فعاليات المؤتمر الخامس للدراسات التاريخية "سبعون عامًا على نكبة فلسطين: الذاكرة والتاريخ"، الذي انطلق اليوم، السبت، ويعقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات على مدى ثلاثة أيام في العاصمة القطرية، الدوحة.

رغم مرور سبعين عام لم تتغير أسس عدالة القضية:

يمكن لأي مراقب بغض النظر عن موقفه من القضية الفلسطينية، وبدون مبالغات أيديولوجية أو افتئاتٍ على التاريخ، أنّ يدرك أن العنصر الأهم في شرعيّة قضيّة فلسطين وعدالتها هو كونها قضيّة تحرر وطني ، إذ وقع الشعب الفلسطيني ضحية استعمار كلاسيكي مهّد لاستعمار آخر استيطاني إحلالي.

وعموما، من لا ينطلق من هذه الحقيقة التاريخية لا يعتبر قضية فلسطين مشروعة، أو يعتبرها في أفضل الحالات نزاعا على الأرض بين حركتين وطنيتين؛ ومن ثم فهي ليست قضية تحرر، بل صراع فلسطيني إسرائيلي conflict وغالبا ما تضاف إليه صفات مثل معقد ومزمن وغيرها، ومؤخرا أصبح البعض يستخدم مصطلحات مثل خلاف على أراضٍ احتلت عام 1967، فهي ذاتها من هذا المنظور أراضي متنازع عليها disputed territories. وثمة في اليمين الأوروبي والأميركي من يميل إلى تناولها من باب مسألة الإرهاب، إرهابٌ بدأ فلسطينيا وأصبح إسلاميا، أو مقاربتها من زاوية صراع الأديان.

ولقد تغلغلت بعض التعابير أعلاه حتى في محتوى الموضوع الفلسطيني في المقررات الدرسية الرسمية لبعض الدول العربية منذ بدايات التسعينيات من القرن الماضي. فقد عدلت في المقرر الدراسي، وغُيِّرت فيه، وحُذِفت منه المفاهيم التي تتناول إسرائيل بوصفها استعمار استيطاني.

وتجد هذه الأفكار قبولا حتى في بعض الدول الآسيوية مؤخرا[1] منذ أن جرى التخلي "رسميا" عن خطاب حركة التحرر الوطني، وقد كان هذا الخطاب مصدر الشرعية السياسية في دول آسيا وغيرها، حيث كانت قضية فلسطين آخر القضايا الكولونيالية ورمزًا للنضال التحرري، وحتى نموذجًا في نظر حركات التحرر المتأخرة.

وقبل التخلي رسميا عن خطاب حركة التحرر الوطني في اتفاق أوسلو ودخول منظمة التحرير الفلسطينية مرحلة السلطة الفلسطينية، وحاليا السلطات، فعلت عوامل تاريخية سياسية- ثقافية في تشويش رؤية قضيّة فلسطين بوصفها قضيّة استعمار استيطاني إحلالي؛ وأهم هذه العوامل هي:

أولا تشابكها مع المسألة اليهوديّة في أوروبا؛ وثانيا تداخلها مع ما أسميته المسألة العربية في منطقتنا. وسبق أن تطرقت إليها بشكلٍ موسّع في كتابٍ خاص بهذا العنوان. ومؤخرا أضيف عامل تديين القضية بأسلمتها من قبل خصومها، وبعض حلفائها أيضا، ما نفّر بعض القوى الديمقراطية المنحازة إلى العدالة؛ كما اصطُنِع في بعض الدول تداخل بين الموقف من قضية فلسطين وصراعات أخرى مع الحركات الإسلامية أو حتى مع مطالب إسلامية كما في حالات الهند والصين في شرق آسيا وبعض الدول الأفريقية .

التداخل مع المسألة اليهوديّة في أوروبا ولّد مشكلتين: أولًا، تصدير إثم العداء للساميّة وجرائم الإبادة بعيدًا عن أوروبا بالاعتراف لليهود بدولة خارج أوروبا، وإسقاط العداء لليهود على العرب، ثمّ قبول اليهود في أوروبا بوصفهم جزءا من الحضارة الغربية بعد إقصائهم عنها. فصُكَّ بقدرة قادر مصطلح حضارة يهو-مسيحية في القارة التي وقع فيها الهولوكست. ثانيًا، أنّ الفاعل المستعمِر المستوطن في حالة فلسطين يفهم ذاته على أنّه ضحيّة، بل أيضًا يحتكر دور الضحية. كما أنّه في فهمه لذاته ليس استعمار دول أجنبية لبلاد أخرى، بل حركة قومية. وهي قوميّة دينيّة من نوعٍ خاص أنشأت دولة إثنو-دينية تعتبر الدين أساسًا لمنح المواطنة بصيغة ما تسميه قانون العودة، وأقامت نظاما استيطانيا يقوم على الفصل العنصري بطرد الأغلبية السكانية من وطنها عام 1948، وببناء نظامين حقوقيين واحد لليهود وآخر لفلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة بعد عام 1967، ومحاولة تكريس ذلك ببناء جدار الفصل العنصري؛ هذا عدا اعتبار الفلسطينيين الذين بقوا أقلية في حدود عام 1948 ومنحوا الجنسية الإسرائيلية غرباء في وطنهم ومقاربتهم رسميا باعتبارهم مجموعة أقليات غير يهودية في دولة لليهود.

أمّا المسألة العربيّة فتعقيداتها كثيرة ومن أهمها التعويض بالأيديولوجيا عن عدم تحقيق الوحدة، وإعاقة نشوء أمة المواطنين، وإعاقة الوحدة بين الدول العربية والديمقراطية في كل بلد عربي على حدة بتأجيج النزعات القطرية والطائفية والجهوية وغيرها. وقد تجلت المسألة العربية أيضا في استغلال قضيّة فلسطين في الصراعات العربيّة الداخليّة، بحيث كان الهدف والمحرك للمواقف في قضيّة فلسطين في كثير من الحالات الصراع بين دولة عربيّة ودولة عربيّة أخرى. لا يُستثنى من ذلك مراحل حاسمة مثل حرب 48 وحرب 67 ، وذلك حتى حين كان دافع من حاربوا في فلسطين وطنيا فعلا ومعاديا للصهيونية.

وجوه الأداتية المتناقضة:

لقد استخدمت قضية فلسطين كأداة في الصراع بين المحاور العربية في زمن الحرب العربية الباردة، وأيضا لتثبيت شرعية الأنظمة داخليا، إلى درجة وضعها بشكل مصطنع في مواجهة تطلعات الشعوب المشروعة تحت دعوى" لاصوت يعلو فوق صوت المعركة".

وعلى الرغم من ذلك ظلت قضية فلسطين، ولما تزل، تحتل مكانة مركزية في الرأي العام العربي ما يدل على متانة جذورها في الوجدان العربي، فاستمرارها يرمز أيضا لاستمرار الفساد والاستبداد وعجز النظام الرسمي العربي، وواقع التبعية والتجزئة العربية. وتدل نتائج المؤشر العربي التي أعلنها المركز العربي يوم الأربعاء الماضي على أن قضية فلسطين ما زالت مركزية بالنسبة للعرب؛ إذ وجدنا شبه إجماع على اعتبارها قضية العرب جميعًا وليست قضية الفلسطينيين وحدهم. ويرفض 87% من الرأي العام العربي أن تعترف حكومات بلدانهم بإسرائيل مفسّرين هذا الرفض بأسباب متعلقة بطبيعتها الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية وعدائها لشعوب المنطقة. وعلى الرغم مما تعانيه المنطقة العربية من أزمات وصراعات وتدخل قوى أجنبية في عدة بلدان، يبقى الرأي العام مجمعًا (بنسبة 90%) على أن إسرائيل تشكل تهديدًا لأمن المنطقة واستقرارها، وأنها تمثّل مصدر التهديد الرئيس لأمن الوطن العربي. وتظهر تحليلات نتائج المؤشر العربي على نحو جلي أن مواقف القوى الإقليمية والدولية وسياساتها تجاه القضية الفلسطينية هي عامل مقرر في بلورة وجهات نظر العرب نحو هذه القوى وتقييم سياساتها في المنطقة. كما أن الرأي العام العربي يذكر باستمرار جوانب من القضية الفلسطينية في تفسير تطورات تحدث في المنطقة العربية أو ظواهر تنشأ في نطاقها؛ فعلى سبيل المثال وليس الحصر، فسر جزء من الرأي العام اندلاع الثورة المصرية في مؤشر عام 2011 بسبب تحالف أو تبعية النظام المصري آنذاك لإسرائيل. كما يدرِج المواطنون العرب وبنسب ذات دلالة أن إحدى طرق مواجهة التطرف والإرهاب إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية أو إحقاق حقوق الشعب الفلسطيني[2].

وقد اتضح لاحقا أنّ الاستخدام الأداتي لقضيّة فلسطين في الصراعات العربيّة-العربيّة، وفي تثبيت شرعيّة الأنظمة في مواجهة شعوبها هو الوجه الآخر للتطبيع. فمع تغير الظروف يمكن أن تُستخدم الأداة نفسها على نحو متناقض لتحقيق نفس الهدف، وهو الحفاظ على النظام. إذ يمكن أن تُستخدم للمزاودة على نظام عربي آخر أو على الفلسطينيين أنفسهم واتهامهم بالخيانة والتفريط، ثمّ يمكن أن تُستخدم هي نفسها لكسب ودّ الولايات المتحدة عبر إرضاء إسرائيل بتنازلات عن القضيّة الفلسطينيّة. أليس هذا أيضًا استخداما أداتيّا؟

والغريب أن التفريط بحقوق الشعب الفلسطيني يرافقه أيضا إطلاق العنان لجوقات كتبة السلاطين (ومؤخرا الجيوش الألكترونية لوزارات الإعلام والداخلية) للتحريض على الفلسطينيين وترديد فرية بيع الأرض الصهيونية، فغالبا ما سمعنا الصهاينة يقولون أنهم اشتروا أرض فلسطين ولم يستولوا عليها بقوة السلاح. ويسأل الفلسطيني الحائر الذي تنهال عليه الشتائم: لماذا يفعلون ذلك؟ إنهم يريدون التقرب من إسرائيل لمصالحهم فما ذنب الفلسطيني ليشتموه؟ والجواب إنه تنافر إدراكي cognitive dissonance بين المواقف السابقة واللاحقة من جهة، وبين الأيديولوجية والسلوك من جهة أخرى، يعبر عنه بهذا السيل من التهجمات العدوانية على الضحية، وإجابة على تساؤلات الذات والضمير عن المبرر لمثل هذه الخيانة والتخلي عن الضحية. فلا مبرر أفضل من شيطنة الضحية حتى لو نفذت عملية الشيطنة بواسطة جيوش افتراضية وذباب ألكتروني هم صنعوه، فضلا عن العودة فجأة إلى الدين (المرفوض عندهم في السياسة كما يدعون) للبحث عن مبررات دينية أيديولوجية لشرعية الصهيونية في "الإسرائيليات" وغيرها، أو قبول الرواية التاريخية للصهيونية إلى درجة أدهشت عتاة اليمين الصهيوني من أمثال دنيس روس[3]. وهو ما لم يقدم عليه السادات الذي تحدث بلغة المصالح.

وكما تعلمون ثمة وجه آخر للأداتية إذ عبّر المظلومون أيضًا في العالم العربي وأنحاء كثيرة أخرى من العالم عن رفضهم للظلم عبر قضية فلسطين، واستخدموها هم أيضًا، بسبب شرعيتها، للخروج إلى الشارع تضامنًا مغ فلسطين بدوافع نبيلة. ففي مرحلة معيّنة من تاريخنا كان التجمّع السياسي في المدن العربيّة متاحًا فقط في المسجد أو في ظلّ قضيّة فلسطين وتحت سقفها، لأنّ شرعيتها كانت مهيمنةً للغاية. وقد انتشر تعبير قضيّة العرب الأولى لأسبابٍ صحيحة، وإن استُغِل في كثير من الحالات لأغراضٍ باطلة. الأسباب الصحيحة هي فهم الشعوب العربيّة، وحتى الضباط الذين قاموا بانقلابات على الأنظمة التي فشلت في المواجهة مع العصابات الصهيونية في حرب 1948، أنّ قضيّة فلسطين هي تعبير عن الهيمنة الاستعماريّة في المنطقة وتجزئة الوطن العربي، وأنّ الصهيونية وداعموها في الغرب سوف يصرون دائمًا على أن تلائم دول المنطقة نفسها مع وجود إسرائيل وطلباتها وليس أن تلائم الأخيرة نفسها مع متطلبات العيش في هذه المنطقة. أقول هذا بغض النظر عن فشل هؤلاء الضباط أنفسهم وغيرهم في مواجهة إسرائيل لأسباب لا مجال لبحثها هنا.

أما الأغراض الباطلة لمقولة "قضية العرب الأولى" كقولة حق يراد بها باطل فتتلخص باستخدامها لتهميش قضايا المظلومين الأخرى، واتهام كل من يثير قضايا أخرى في الوطن العربي غير قضية فلسطين بالتخلي عن الأخيرة. يفترض هذا المنطق عدم التضامن مع المضطهَدين في أي دولة عربية. فعلى سبيل المثال، لا يجوز اتخاذ موقف من مذبحة الشعب السوري وعمليات الإبادة الجماعية التي تعرض لها، لأن هذا سيكون على حساب قضية فلسطين. وهو منطق أقل ما يقال في وصفه أنه معتل، فــأي نضال ضد الظلم يستمد شرعيته من الموقف إلى جانب العدالة، ورفض سياسات قمع المجتمعات وإذلالها وسيلة للتحكم بها بغض النظر عن هوية الفاعل، فما بالك بموقف شعب تعرض لعملية سطو وتهجير من قضية شعب شقيق يتعرض للإبادة والتهجير الجماعي بالبث المباشر؟

هل يكمن الفرق في أن الفاعل مستعمِر أجنبي؟ وهل هذا الفرق يخفف عن ضحايا ما يمكن تسميته ب"المستعمر الداخلي"؟ أم تكمن المشكلة في أن جرائم "الاستعمار الداخلي" جعلت جرائم الاحتلال الأجنبي تبدو نسبية، فلا بد من إنكار الأولى لتجنب مثل هذه النسبية؟

لا تتوقف عدالة القضية على أعداد القتلى والجرحى وعدد الجرائم والمذابح المرتكبة. وإن مصدر شرعية قضية فلسطين هي كونها قضية احتلال كولونيالي، وأن المجرم في حالة فلسطين يعادي التقدم نحو الحرية والديمقراطية في العالم العربي بأجمعه أيضا.

كما أنّ الشعوب بتبنيها فكرة فلسطين قضيّة العرب الأولى، كانت في الحقيقة تعتبرها محور الهويّة العربية، أو أحد أشكال التعبير عن الهوية العربيّة. والحقيقة أنّ التطورات التاريخيّة منذ عام 48 وحتى اليوم تُثبت أنّ تبني قضيّة فلسطين والتفاعل معها يتناسب طرديًّا مع صعود الهويّة العربيّة، وعكسيًّا مع النزعة القُطريّة المحليّة. ويمكن أن نظهر بالأدلة أنّه كلما قرّر زعيم عربي التوجه إلى التطبيع مع إسرائيل، أو التخلي عن ثوابت القضيّة الفلسطينيّة، فإنّ ذلك يترافق بحملة على العرب والهويّة العربيّة، والتأكيد على "إثنية" محليّة ذات جذور تاريخيّة متخيلة (وليس أمة مدنية تقوم على المواطنة بالطبع)، لأنّه ثمّة إدراك يكاد يكون فطريا للترابط بين الالتزام لفلسطين وعروبة البلد.

العقد الأخير:

سبق أن كتبت تحليلًا مطولًا لمسار القضيّة الفلسطينية في الذكرى الستين للنكبة، وصدر في كتاب أن تكون عربيًّا في أيامنا في العام 2009. ولدي أكثر من سبب للانطلاق من هناك وعدم استعراض تاريخ القضيّة الفلسطينية كلّه، ليس أقلّها أهمية الزمن المخصص لهذه المحاضرة.

مذاك شنت إسرائيل ثلاثة حروب ضدَّ الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وتصلّب عود سلطة فلسطينية في الضفة الغربيّة وأخرى في قطاع غزة، وترسّخ الانقسام الفلسطيني ليكتمل في سلطتين يقودهما فصيلان متخاصمان في منطقتين منفصلتين جغرافيا، وتفصل بينهما إسرائيل نفسها ما يجعلها قادرة على تعميق الشرخ. واستمر الحصار الذي يفرضه الاحتلال ومصر على قطاع غزة، وتواصل تهميش منظمة التحرير الفلسطينية ومعها اللاجئين في الفلسطينيين، أو ما يسمى الشتات الفلسطيني في الخارج. ونشبت الثورات العربية والثورة المضادة عليها، والتي كان التطبيع مع إسرائيل من المظاهر المرافقة لها، اقصد مرافقة للثورة المضادة.

لم تتمكن جامعة الدول العربيّة من عقد مؤتمر قمّة في زمن الحرب على غزة، وجرى إفشال قمّة غزة التي عُقدت في الدوحة بالتجنيد العلني والمباشر لعدم حضورها. قامت بجهد الإفشال الدول نفسها التي تطبّع علنا مع إسرائيل حاليا وتصرح أن حماس دولة إرهابية. وكما في حالة العدوان الإسرائيلي في حرب 2006 في لبنان، وقف محور عربي كامل عام 2008 – 2009 منتظرًا انتصار إسرائيل على المقاومة الفلسطينيّة وتصفية حركة حماس.

كان ذلك قبل الثورات العربية. كنا نعيش في تلك الفترة مرحلة الانقسام إلى محوري اعتدال وممانعة (أو مقاومة) الذي حل محل الانقسام بين أنظمة تقدمية (حليفة للسوفييت) وأخرى رجعية (حليفة لأميركا وبريطانيا) من أيام الحرب الباردة. لكنّ الجميع كان يعرف أنّ ما يُسمى قيادة محور الممانعة في حينه، متمثلة عربيًّا بالنظام السوري، كانت منخرطة رسميا في جولات مفاوضات سلام مع إسرائيل، وكان آخرها يجري في تلك الأيام عبر إسطنبول. ولم تكن القضيّة الفلسطينيّة على جدول أعمال التفاوض، بل الانسحاب من الجولان[4]. أي أنّ النظام العربي المركزي فيما يسمى محور الممانعة كان يحاول إقناع إسرائيل بتبني نموذج كامب ديفيد في السلام مع سورية، أي الانسحاب من الأراضي السورية المحتلة عام 67 مقابل السلام الكامل. لم يتضمن السلام السوري الإسرائيلي المنشود حق العودة للاجئين الفلسطينيين (وقد انسحب ذلك على لبنان الذي انتظر نتائج المفاوضات السورية الإسرائيلية)، ولم يجر فيه الحديث عن حل عادل لقضية فلسطين، فهذه تركت كما هو معروف لمسار التفاوض الإسرائيلي الفلسطيني بعد أوسلو.

لم تكن القضيّة الفلسطينية في مركز اهتمامات الأنظمة العربيّة. والمشكلة أنها استخدمت أداةً، تارة في توسل رضا الولايات المتحدة عبر السلام مع إسرائيل، ولا سيما منذ بداية أفول نظام القطبين ، وأخرى في التصعيد ضد أنظمة أخرى، وفي المساومة مع المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة، وإن تطلبت عملية المساومة في بعض الحالات تصعيدا ضدها كما في العراق ولبنان.

وأكاد أجزم أنّ واقع تهميش القضية الفلسطينية كان من عوامل انفجار الثورات العربيّة بعد الاستبداد والفساد والتوريث وغيرها. وقد أثبتت دراساتنا المنشورة عن مصر وتونس وغيرها، أن قسما كبيرًا من قيادات ثوار العام 2011 تدرب على النضال في مظاهرات تضامن مع العراق ضد الحصار والعدوان عام (2003)، ومع الشعب الفلسطيني خلال الانتفاضة الثانية وفي غزة عام 2008 و2009.

لم تُهمّش الثورات العربيّة قضيّة فلسطين إذًا بل أعادتها إلى مركز الصراع وذلك في مكانها الطبيعي إلى جانب الشعوب وتطلعها إلى العدالة والكرامة والديمقراطية وحقوق الإنسان وضد أنظمة الاستبداد التي همشتها. لكنّ منطق الثورات المضادة الذي نختصره هنا بجملة واحدة: "الاستبداد العائد أسوأ من الاستبداد البائد" ينطبق أيضًا على موقف الاستبداد العائد من قضيّة فلسطين. لقد تجلت الثورة المضادة على مستوى قضية فلسطين في تحويل التطبيع مع إسرائيل إلى تحالف معلن في بعض الحالات.

ومثلما اعتبرت إسرائيل، كما أدرسها كباحث، عام 2011 أسوأ أعوامها بوصفه فاتح مرحلة من عدم اليقين الكامل والعجز عن التنبؤ بما سوف يجري في العالم العربي، والرعب من اقتحام الشعوب العربية المجال العمومي وعملية صناعة القرار السياسي (فإسرائيل لا تنوي أن تنتظر كل عام أو بضعة شهور نتائج الانتخابات في دولة عربية أخرى)؛ كذلك كان عام 2013 أفضل أوقاتها، وهو عام بداية تحقيق الثورة المضادة إنجازاتها، وأقصد الانقلابات العسكريّة المدعومة بقوة من قبل أنظمة خليجية رجعية (بمعنى عدائها للتغيير والتقدم والديمقراطية) مثلما أقصد الثورة المضادة الصاعدة من قاع المجتمعات الثائرة نفسها والمتمثلة بحركات متطرفة مثل تنظيم الدولة وغيره، والتي استغلّت الثورات وعفويتها وعجزها عن التنظيم، وما تعتبره حالة الفوضى، لكي تفرض أجندتها على الحركة الجماهيرية. وقد هُزِمت، وسوف تهزم، ولن تخلِّف وراءها سوى إحلال توق الناس إلى الأمن والاستقرار محل تطلعهم إلى الحرية وتحقيق المطالب، وسوف يستمر هذا لبعض الوقت، ولكن ليس إلى الأبد.

لقد اعتبر مسؤولون إسرائيليون وصول رئيس الاستخبارات العسكريّة، الذي أصبح وزير دفاع ثمّ رئيسا، إلى سدّة الحكم في أكبر دولة عربية ذخرًا استراتيجيًّا كبيرًا، ولا يقل عن ذلك أهميّة العمليّة المتسارعة التي بدأت في المجاهرة بالتطبيع والعلاقات مع إسرائيل من طرف دول خليجيّة، واعتبارها حليفًا في الصراع مع إيران. وأقول "مجاهرة" هذه الأنظمة بالتطبيع، لأنّ بعض هذه الاتصالات الأمنية والسياسية كان قد بدأ قبل ذلك بكثير، دون الإعلان عنه، أو التباهي به كما يحصل حاليا. ويترافق التطبيع بالتخلي عن قضيّة فلسطين، وتبرير ذلك نفسيًّا كما يبدو بشتم الفلسطينيين والعرب، وفي بعض الحالات حتى المسلمين جميعًا. فهذه مسألة نعرفها جيدًا، حتى على الساحة الفلسطينية، أنّ التقرّب من إسرائيل يتطلّب الإساءة لتاريخنا وشتم العرب والمسلمين، واصطناع جذور تاريخية متخيلة لنفي العروبية، والمبالغة في حجم التضحيات التي قدمتها الدولة المعنية لفلسطين، وغالبا من قبل أفراد لم يُقدموا شيئًا لفلسطين أو لغيرها أصلًا.

على الرغم من استخدام كلمات مثل لبرلة وغيره، لا تترافق عمليّة التطبيع مع إسرائيل مع أي نوع من اللبرلة، ولا حتى الاقتصادية. فالنيو-لبرالية التي تتناسب مع تفرد طغمة بالحكم، ونشر بعض أنماط الحياة الاستهلاكيّة، لا علاقة لها بالليبرالية، فالاخيرة تضع الحريّة في مركز قيمها وكذلك احترام الحريات. في حين أن طبعة النيولبرالية الصادرة في دول التطبيع معادية للديمقراطيّة علنا، وتعتبر نفسها ردا على مطلب الديمقراطية. إنّ التطبيع مع إسرائيل هو مقايضة مع الغرب، وتتلخص المقايضة أو المساومة بالتطبيع في مقابل دعم الغرب للنظام وتجاهل قضايا الحريات وحقوق الإنسان وغيرها حتى لو تضامنت مع الضحايا منظمات حقوق إنسان في الولايات المتحدة وأوروبا.

والدول الغربية بسبب ما قلته بداية حول المسألة اليهوديّة وأسباب أخرى عديدة، منها مصالحها المضمونة مع هذه الأنظمة الاستبدادية، وغير المضمونة، كما تعتقد، في حالة تطبيق الديمقراطية، تقبل بهذه المقايضة وتتكيف معها. وهنا يتجلى موقف الدول الغربية المنافق من قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية. فمن يقوم بالتطبيع مع إسرائيل يتلقى إطراءات وتشجيع حتى وهو يعتقل المعارضين، ويقمع حرية الرأي، ويحجب الحريات العامّة، ويدوس على الحقوق المدنية.

يجري الآن: محاضرة للمفكّر العربيّ عزمي بشارة بعنوان "سبعون عامًا على النكبة.. مستقبل القضيّة الفلسطينيّة ومآلاتها" في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.