نكبة "البقارة والغنامة " ورحلة التهجير

70 سنة مرّت على نكبة الشعب الفلسطيني وما تزال حكاية الاقتلاع و التهجير تتوارد على ألسنة من اكتوى بنارها. وما تزال الجراح تختلج في نفوس الجيل الأول الذي عايش فصولها و تفاصيلها لتبقى الصفحة الأكثر مرارة في تاريخ الشعب الفلسطيني.

المعمر الحاج يوسف حجاج بلغ من العمر105 أعوام ، وبرغم تجاوز عمره أكثر من قرن ورغم قسوة التهجير وما رسمت الأيام من تجاعيد السنين على وجنتيه، إلا أن ذاكرته حية ولم تُصَب بشرخ ويسترجع بذاكرته محطات الأمل والوجع وخيبة العودة إلى بلدته"أكراد الغنامة" في سهل الحولة التي دُمِّرت وسُويت بالأرض عام النكبة 1948.

وفي حديثه لـ"عرب 48" قال حجاج: قريتي "أكراد الغنامة والبقارة" تقع في سهل الحولة وتبعد 4 كيلومترات عن حدود الجولان السوري وبلغ عدد سكان القريتين عام 1948 حوالي 300 نسمة، مُضيفا: "أُجبرنا على الخروج من القريتين بسبب الفظائع التي ارتكبت في قرى أُخرى، وجاء ذلك من هول ما تردد بأن جيش اليهود ارتكب المجازر في عدد من البلدات الفلسطينية ومنها في قرية عين الزيتون المحاذية لصفد، كما سمعنا أن هناك هجوما حصل على قرية الحسينية القريبة منا في سهل الحولة وقد سقط فيها 17 شخصا بين شهيد وجريح، وهذا أحدث حالة من الرهبة بين الأهالي، وتقرر أن نخرج جميعا من القريتين في هذه الظروف القسرية، ونتجه إلى سورية على أمل العودة بعد أنت تهدأ الأوضاع، وهذا ما تم حيث توجهنا نحو هضبة الجولان السورية في رحلة شاقة مع نسائنا وأطفالنا وأمتعتنا الثقيلة التي نقلناها على الحمير والخيل وفي طريقنا مررنا من جانب مستوطنة "أييلت هشاحر" القريبة لكن لم يتعرض لنا أحد لأنه لم يصادفنا جيش في الطريق سوى أشخاص من المستوطنة كانوا يعرفوننا، وهذا كان على ما أذكر في أواخر آذار أو بداية شهر نيسان.

وتابع حجاج قائلا: واصلنا المسير باعتباره نزوحا مؤقتا وثقتنا بأننا سنعود ربما لاننا لم نكن نعي حجم المخطط"وفي سورية وصلنا إلى قرية "جلبينا" على الحدود السورية وهناك نصبنا خيامنا "بيوت الشعر" وما توفر لدينا لإيواء عائلاتنا، وفي تلك الفترة حصل اشتباك في هذه المنطقة بين الجيش السوري والمنظمات اليهودية ولهذا السبب قمنا بالانتقال والترحال من جديد إلى بلدة "الغادرية" ولنا معارف قديمة هناك من قبل النكبة، لذا أقمنا هناك قرابة السنة وفي فترة من العام 1949 سيطر الجيش السوري واستعاد قريتي الغنامة والبقارة، وأذكر أن تلك الفترة شهدت اتفاقية رودوس، وضمن هذه الاتفاقية تقرَّر أن نعود لأراضينا، لكننا عُدنا بحسب اتفاقية سورية-إسرائيلية إلى منطقة اعتبرت محرمة في وقت سابق، وليس إلى القريتين المدمرتين بل إلى خيم أخرى نصبناها على أراضينا حتّى أواخر عام 1951 وفي تلك الفترة حدث خلاف بين سورية وإسرائيل حول بحيرة الحولة، عندما حاولت إسرائيل نقل مياه الحولة لبحيرة طبريا عبر قناة كبيرة تمر من أراضينا الخاصة، وفي أعقاب ذلك اتخذت السلطات الإسرائيلية قرارا بنقلنا إلى قرية شعب في الجليل الغربي وهذا ما حصل. وبعد أن وصلنا مع 1000 شخص من البقارة والغنامة إلى شعب، وجدنا أن قرية شعب قد تم تهجيرها بشكل شبه كامل ولم نجد إلا بضع عائلات فيها حيث تم استقبالنا لمدة وأسكنونا هناك في البيوت التي هُجِّر أهلها، بعدها حاول الإسرائيليون مقايضتنا بأراضينا في الحولة مقابل منحنا السكن إلا أن المعظم رفض ذلك.

ويؤكد حجاج أن هناك من أصر على العودة حيث عاد إلى الحولة من قريتي البقارة والغنامة 600 شخص وأقاموا خيما على أراضيهم هناك لغاية العام 1956 إلا أنهم أُجبِروا على ترك أراضيهم بسبب الضغوطات التي مورست عليهم وعمليات التنكيل بهم، لإجبارهم على التوقيع والتنازل عن أراضيهم، لذا توجّهوا مرة أخرى إلى سورية وهم ما يزالون يعيشون هناك.

وأنهى حجاج حديثه بالقول: "أقمنا في قرية شعب لغاية العام 1975 وبعدها انتقلنا إلى مدينة شفاعمرو، وما نزال فيها حتى اليوم، لكن الظلم الذي ذقناه، ورحلة التهجير التي عايشناها بكل تفاصيلها، تبقى حسرة في قلوبنا".